«ماما… لقد كان في بطنك معي»
المحتويات
جبينه إلى الزجاج البارد.
وهنا رأت دانييلا انعكاس وجهه.
العلامة الصغيرة على الذقن.
لمحتها كما لمحتها آلاف المرات من قبل لكن هذه المرة لم تعد مجرد تفصيلة. صارت سؤالا حيا ينبض.
كم جنينا رأيت في ذلك الفحص
هل كنت متأكدة
اندفعت الذكريات فجأة كسيول حطمت السد الذي بنته بعناية.
قبل خمس سنوات
كانت المستشفى غارقة في الضوء الأبيض. رائحة المعقمات تملأ المكان والوقت يذوب بلا شكل. كانت دانييلا متعبة مرهقة تتنقل بين الوعي والنوم الثقيل. تتذكر يد طبيبة تمسك بكتفها وصوتا يقول
كل شيء على ما يرام فقط تنفسي.
لكن كان هناك صوت آخر.
صرخة
ثم صمت.
سألت يومها بصوت متقطع
هل هل هو بخير
وجاءها الرد سريعا حاسما كمن يغلق بابا
طفلك بخير. لا تقلقي.
لم تسأل أكثر. كانت ضعيفة. كانت تثق.
أوقفت السيارة فجأة على جانب الطريق ما اضطر ماتيو إلى التمسك بالمقعد أمامه.
ماما قال بقلق.
أغمضت عينيها. صدرها يعلو ويهبط بعنف.
هل رأيت بابلو قبل اليوم سألت دون أن تلتفت.
نعم.
أين
في المكان الذي نذهب إليه عندما أنام.
فتحت عينيها ببطء.
أي مكان
فكر قليلا كأن الكلمات غير كافية.
مكان فيه شجرة كبيرة وأرجوحة ولا يوجد فيه أحد غيرنا. أحيانا تكونين هناك لكنك لا تريننا.
تجمد الدم في عروقها.
أنا
نعم. تكونين حزينة وتبكين لكنك لا تسمعيننا.
دارت السيارة من جديد لكن الطريق لم يعد واضحا. كانت تسير بينما عقلها يركض في
هل كان ذلك الشعور ذنبا بلا جريمة أم ذاكرة بلا صورة
في تلك الليلة لم يستطع ماتيو النوم.
كانت دانييلا تجلس قرب سريره تراقب ملامحه الهادئة لكن أصابعه كانت تتحرك كما لو كان يمسك يدا غير مرئية.
هل هو هنا سألت هامسة.
ابتسم ماتيو دون أن يفتح عينيه.
نعم. يقول إنه اشتاق لي.
ارتجفت.
وماذا يقول أيضا
يسأل لماذا لا تأتي أنت.
نهضت فجأة. خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها بهدوء. في المطبخ أسندت ظهرها إلى الحائط وانزلقت إلى الأرض. وضعت كفها على فمها كي لا تصرخ.
لم تعد قادرة على تجاهل الأمر.
في الصباح وبينما كان ماتيو يتناول فطوره فتحت دانييلا درجا قديما لم تلمسه منذ سنوات. أخرجت ملفا أصفر باهتا يحمل اسمها بخط المستشفى.
تقارير الحمل.
صور الأشعة.
كانت يداها ترتجفان وهي تقلب الصفحات إلى أن توقفت عند صورة واحدة.
حدقت طويلا.
ثم أطول.
كان هناك ظل آخر.
باهت.
غير مكتمل.
ظل لم تسأل عنه يوما.
سمعت صوت ماتيو من خلفها
وجدته
استدارت ببطء.
ماذا
أخي.
لم تستطع الكذب.
ربما قالت بصوت مكسور. ربما فعلت.
اقترب منها ووضع يده الصغيرة على بطنها في المكان الذي حملهما يوما.
هو ينتظرنا يا ماما.
أغلقت دانييلا عينيها.
كانت تعلم في تلك اللحظة أن
وأن ما رأته في ساحة كويرنافاكا لم يكن نهاية مصادفة
بل بداية استرداد.
وأن الطفل الحافي القدمين الذي تركته خلفها لم يكن مجرد وجه يشبه ابنها.
كان خطأ حيا
ينتظر أن يعترف به.
لم تنم دانييلا تلك الليلة.
بقيت جالسة على طرف السرير حتى بزوغ الفجر تحدق في الفراغ بينما عقارب الساعة تزحف ببطء مستفز. كلما أغمضت عينيها عاد إليها وجه بابلو وعلامة الذقن الصغيرة وابتسامة ماتيو حين أمسك يده كأنهما لم يفترقا قط.
في الصباح خرجت من الغرفة بخطوات مترددة. كان ماتيو مستيقظا يجلس على الأرض ويرسم. اقتربت فرأت ورقة امتلأت بخطوط طفولية شجرة كبيرة أرجوحة طفلان متشابها الملامح وامرأة تقف بعيدا ويداها على وجهها.
هذا أنت قال بهدوء وهو يشير إلى المرأة.
شعرت بوخز في صدرها.
ولماذا أقف بعيدا
لأنك خائفة.
لم تنكر.
في طريقها إلى المستشفى القديم كانت دانييلا تشعر كأن المدينة تغيرت. الوجوه الشوارع حتى الإشارات الضوئية بدت متآمرة كأن كل شيء يعرف ما تحاول هي اكتشافه.
دخلت المبنى الذي ولد فيه ماتيو قبل خمس سنوات. الرائحة ذاتها. الضوء ذاته.
لكنها لم تكن المرأة نفسها.
في قسم السجلات جلست أمام موظفة شابة تقلب الملفات بلا اهتمام.
أريد نسخة كاملة من ملف ولادتي قالت دانييلا محافظة على ثبات صوتها.
رفعت الموظفة حاجبها.
هل لديك سبب محدد
سبب شخصي.
بعد انتظار طويل
هذا كل ما لدينا.
شكرتها دانييلا وجلست في زاوية بعيدة. بدأت تقلب الأوراق بعناية سطرا سطرا توقيعا توقيعا.
حتى توقفت.
ملاحظة بخط يدوي صغيرة كتبت أسفل الصفحة الأخيرة
Pregnancy twin gestation. Outcome one live birth.
توقف الزمن.
توءم.
ولادة واحدة حية.
شعرت بالغثيان. قبضت على حافة الطاولة كي لا تسقط.
ماذا يعني هذا تمتمت.
كانت تعرف المعنى. لكنها لم تكن مستعدة لقبوله.
في تلك الليلة ساءت حالة ماتيو.
استيقظ يصرخ يتصبب عرقا عيناه واسعتان كأنهما تريان ما لا تراه هي.
ماما! شهق. بابلو مريض.
ماذا تقصد هزته برفق.
هو يتألم. خالته لا تستيقظ. لا أحد يسمعه.
نهضت دانييلا فورا. ارتدت ملابسها على عجل.
سنذهب إليه.
ابتسم ماتيو للمرة الأولى منذ يومين.
كانت الساحة شبه خالية عند المساء. الباعة رحلوا والنافورة صامتة. بحثت بعينيها بلهفة حتى رأت الصندوق الكرتوني قرب المقعد ذاته.
كان بابلو ممددا على الأرض وجهه شاحب أنفاسه متقطعة. كانت خالته كونسويلو فاقدة الوعي محمومة.
ركعت دانييلا فورا.
بابلو نادته.
فتح عينيه بصعوبة وما إن رآها حتى حاول الابتسام.
قلت له إنك ستأتين همس.
شعرت بشيء ينكسر داخلها.
في المستشفى جلس الطفلان متجاورين على السرير. كانا متشابهي الحركة متزامني الأنفاس كأن جسديهما يتذكران بعضهما دون وعي.
دخل الطبيب نظر إلى الطفلين طويلا.
هل هما
لم تتردد هذه المرة.
نعم.
خرجت الكلمة من فمها كاعتراف أخير.
بعد أيام جاءت نتيجة فحص الحمض النووي.
جلست دانييلا
متابعة القراءة