من فتاة منسية إلى امرأة تعلم الجميع كيف يبدأ الغد
من فتاة منسية لا يلتفت إلى ظلها إن مر إلى امرأة ستعلم الجميع يوما ما كيف يمكن للغد أن يبدأ
لم تكن ماريا تعرف ذلك وهي تخطو أولى خطواتها خارج العربة ولا كان في ملامحها ما يوحي بأن الزمن سيقف لاحقا ليسمعها. كانت فقط فتاة تحمل ما تبقى من عمرها في كيس قماشي وتسلم نفسها لمكان لا تعرف عنه شيئا.
حين كان الفجر ما يزال وعدا خلف الضباب نزلت من العربة الخشبية عند حافة الطريق الترابي. لم يكن الصباح قد اكتمل ولا الليل قد انسحب تماما. كان الضباب معلقا فوق الحقول كستار هش لا يحجب الرؤية ولا يكشفها كأن النهار نفسه متردد في اتخاذ قراره.
ضمت ماريا الكيس القماشي إلى صدرها لا اتقاء للبرد فقط بل كمن يحتضن آخر دليل على أنه كان له حياة قبل هذه اللحظة. في داخله ثوبان فقدا لونهما الأصلي ومعطف قديم أثقلته السنوات حتى نسي كيف يدفئ وأشياء أخرى لا ترى ولا تعد عمر كامل من الصمت وطبقات من الاعتياد على التراجع وعلى ألا تسأل وألا تسمع.
لم يرافقها أحد.
لم تخرج أمها لتودعها ولم تقل لها كلمة أخيرة لا تحذيرا ولا رجاء.
كان الفراق صامتا كأن الرحيل أمر بديهي لا يستحق المشاعر.
سلم السائق ورقة مطوية بعناية جافة إلى الرجل الواقف قرب الطريق ثم أعاد شد اللجام واستدار بالعربة
فتح الرجل الورقة قرأها سريعا ثم هز رأسه بإيماءة مقتضبة. لم يسأل لم يستفسر ولم يرفع عينيه إليها إلا لحظة عابرة.
كلمات قليلة كانت كافية لتحديد مصيرها
هذه هي. تصلح للأعمال الشاقة. لا تحتاج إلى عناية.
هكذا كانت تسلم الأرواح في ذلك الزمن من أزمنة فاليرا.
زمن كان فيه الجمال جواز مرور والنعومة امتيازا والقلوب التي لا تلفت النظر تلقى حيث لا يسأل أحد.
في بلدة سان إلبينو حيث نشأت ماريا كان كل شيء يقاس بالمظهر. البنات الجميلات يربين كما تربى الزهور في البيوت الهادئة تحمى بشرائط من الخوف ويختار لهن المستقبل بعناية.
أما غير الجميلات فكن يتعلمن منذ الصغر أن قيمتهن في الصبر وفي تحمل ما لا يحتمل وفي ألا يطلبن أكثر مما يمنحن.
وكانت ماريا تعرف موضعها بدقة مؤلمة.
لم تكن جميلة بما يكفي ليخاف عليها ولا قبيحة بما يكفي ليشار إليها.
كانت تلك الفتاة التي تمر في الخلف التي تكمل الأعمال دون أن تذكر والتي يقال عنها هي هناك دون حاجة إلى اسم.
ظهرت ضيعة آل رينالدي في نهاية الطريق كأنها عالم منفصل عن القرى الصغيرة والطرقات الضيقة. بيت حجري واسع نوافذه عالية
ستعملين هنا قال المشرف لوتشيانو وهو يشير إلى المستودع بيده.
لم تكن نبرته قاسية لكنها خالية من أي اهتمام شخصي كأن الأمر لا يعنيه.
تنظيف ترتيب أي شيء يطلب منك.
أومأت ماريا برأسها.
لم تسأل عن الأجر ولا عن ساعات العمل ولا عن مكان النوم.
لم تتعلم يوما أن السؤال حق بل اعتبرته دوما مخاطرة.
دخلت المستودع وحدها.
توقفت لحظة عند العتبة كأن جسدها يحتاج إلى إذن ليعبر.
رائحة الخشب القديم والتبن الرطب والغبار المتراكم ملأت أنفها. لكن ما شلها حقا لم يكن الرائحة بل الصمت.
ليس الصمت الخانق الذي عرفته في بيت أمها حيث كان الصمت عقوبة ورسالة تقول أنت غير مهمة.
هذا الصمت كان واسعا محايدا لا يحاكم ولا يراقب.
لأول مرة لم تكن هناك عين تتربص بزلة.
ولا صوت ينتظر الخطأ ليعلق عليه.
لأول مرة شعرت ماريا أنها موجودة فقط بلا شرط.
بدأت العمل.
كنست الأرضية طبقة بعد أخرى كأنها تزيل أعواما لا أوساخا فقط. رفعت الصناديق الثقيلة حتى ارتجفت ذراعاها ومسحت الرفوف العالية حتى لسعها الألم في كتفيها.
العرق سال على جبينها وظهرها انحنى لكنها لم تتوقف.
التعب كان
حين بدأت الشمس تميل وتغير لون الضوء المتسلل من الفتحات الصغيرة سمعت وقع خطوات عند المدخل.
تصلب جسدها فورا.
اعتادت أن تصغر حين يقترب المهمون.
ماريا
كان الصوت رجوليا شابا لكنه يحمل ثقل الأرض نفسها.
التفتت ببطء تمسك بالمكنسة بكلتا يديها كأنها ما يربطها بالمكان.
نعم سيدي.
كان أدريان رينالدي يقف عند الباب.
مالك الضيعة.
لم يكن صوته عاليا ولا نظرته فظة. كان هادئا بطريقة تفرض الانتباه دون تهديد.
خفضت بصرها تلقائيا تنتظر ما اعتادته
ملاحظة عن التقصير أمر جديد أو تجاهل عابر.
لكن أدريان لم ينظر إليها كجسد يعمل فقط بل كحكاية لم ترو بعد.
ماذا قالوا لك حين أرسلوك سأل.
ترددت لحظة كأن الإجابة أثقل من أن تقال ثم قالت بصدق متعب
أن أعمل ولا أشتكي.
قطب جبينه قليلا.
هنا لا يعيش أحد منحنيا. العمل موجود لكن الاحترام جزء منه. هل تفهمين
بدت كلمة احترام غريبة على أذنها كأنها مفردة من لغة لم تتعلمها.
لست معتادة على الاحترام قالت بصوت خافت لكنني سأحاول.
ظل ينظر إليها لحظة أطول مما توقعت.
وفي تلك اللحظة دون أن تدرك بدأ شيء صغير يتغير.
لم تكن تعرف أن هذه الأرض التي أرسلت إليها كفائض ستصبح
ولا أن هذا المستودع الصامت سيكون أول