دخل طفل حافيًا إلى الطوارئ وهمس: أخفونا… وما كشفته الشرطة بعدها أسقط قائدها على ركبتيه

لمحة نيوز

قصة دخل طفل حافيا إلى الطوارئ وهمس أخفونا وما كشفته الشرطة بعدها أسقط قائدها على ركبتيه
الصبي الذي دخل حافيا
لم يكن أحد في قسم الطوارئ بمستشفى الرحمة المركزي مستعدا لتلك الليلة.
الهواء كان خانقا مختلطا برائحة المطهرات والقلق والوقت يجر نفسه جرا بعد منتصف الليل حين انزلقت الأبواب الزجاجية فجأة لا بعجلة بل كأنها فتحت بتردد تردد يشبه الخوف.
دخل صبي.
لم يصرخ.
لم يجر.
لم يبك.
كان حافي القدمين يحمل بين ذراعيه شيئا صغيرا ملفوفا بقطعة قماش باهتة وهمس بصوت بالكاد يسمع
لو سمحتم خبونا.
تجمدت الممرضة سلمى عبدالغني في مكانها.
لم تكن الجملة وحدها ما أربكها بل الطريقة.
صوت طفل يعرف معنى المطاردة أكثر مما يعرف معنى الطفولة.
اقتربت خطوة فرأت قدميه.
شقوق.
دم جاف.
كدمات حديثة.
ثم رأت ما في حضنه.
طفلة رضيعة صامتة على نحو مخيف.
تحركت المستشفى كما لو أن زر إنذار غير مرئي قد ضغط فجأة.
نقالة.
أطباء.
أصوات أوامر قصيرة.
لكن الصبي لم يترك الطفلة.
كان اسمه كما سيعرف لاحقا آدم ناصر.
اثنا عشر عاما أو أقل بقليل.
وجهه نحيل عيناه واسعتان أكثر من اللازم كأنهما اعتادتا السهر طويلا.
قالت سلمى بصوت منخفض وهي تنزل نفسها لمستواه
اسمها إيه
تردد للحظة ثم قال
ليان أختي.
مدت يدها بحذر.
ارتد للخلف فورا كمن تلقى صفعة.
لا! لو سمحتي ما تاخدوهاش.
رفعت كفيها في الهواء.
ما هنعملش حاجة غير نساعدها. هتفضل معاك بس لازم نشوف نفسها شغال ولا لأ.
نظر إليها طويلا.
طويلا جدا على طفل.
ثم هز رأسه وأنزل الطفلة على السرير المتحرك ببطء شديد كما لو كان يسلم روحه.
بدأ السباق.
أنابيب.
جهاز أكسجين.
ضغط صدر خفيف.
ظل آدم واقفا يده ممسكة بطرف الغطاء لا يرمش.
دخلت الدكتورة نورا السعدي رئيسة قسم الطوارئ امرأة

اعتادت أن ترى الموت دون أن يسمح لنفسه بأن يعتادها.
ركعت أمام الصبي بدل أن تناديه.
عملت اللي عليك يا بطل.
لم يرد.
لم يبتسم.
الأبطال كما كان يعتقد لا يكافأون.
الأبطال فقط ينجون أحيانا.
بعد نصف ساعة دخل رجل آخر.
لم يكن يرتدي معطفا طبيا بل بدلة داكنة وعينين تحملان ثقل سنوات طويلة.
اسمه الرائد محمود شوقي من وحدة حماية الطفل.
ترك شارة الرتبة خارج الغرفة.
جلس على الكرسي المقابل لآدم منخفضا.
ينفع أقعد معاك شوية
هز كتفيه.
هزة صغيرة لكنها قالت الكثير.
اسمك
آدم ناصر.
وليان
أمانة.
توقف محمود عن تدوين الملاحظات.
أمانة
أيوه أمانة في رقبتي.
ابتلع محمود ريقه.
آدم حد ضربك
ساد الصمت.
ثم ببطء رفع آدم قميصه.
لم يحتمل محمود أن ينظر.
ولا الدكتورة نورا.
كدمات قديمة حديثة متداخلة.
آثار حروق.
علامات حبس.
قالت نورا بصوت مشدود
الطفل ده ما عاشش أسابيع أذى ده عاش سنين.
سأل محمود وهو يحاول أن يبقي صوته ثابتا
مين عمل فيك كده باباك
هز آدم رأسه.
بابا مات من سنتين.
ساد فراغ ثقيل.
طيب مين
وقبل أن يجيب دوى صوت صفارات الشرطة في الخارج.
المنزل المسجل باسم آدم كان في حي شعبي مهمل.
باب حديدي مغلق من الخارج.
نوافذ مغطاة بالخشب.
كسرت الشرطة القفل.
توقعوا أن يجدوا إهمالا.
فقرا.
قسوة.
لكنهم وجدوا ما هو أسوأ.
في غرفة المعيشة سبعة أطفال
مقيدون.
مكممون.
بعضهم واع بعضهم لا.
ليسوا إخوة.
دار رعاية غير مرخصة.
شبكة حضانة سوداء.
تديرها امرأة يعرفها الحي جيدا.
خالتهم سعاد ناصر.
امرأة تعرف بالخير.
تدير جمعية مساعدة أيتام.
تصور مع المسؤولين.
تحصل على تبرعات.
وكانت تسلم لها الأطفال واحدا تلو الآخر
ولا يخرجون كما دخلوا.
حين رأى قائد القوة المشهد سقط على ركبتيه.
لم يكن ذلك انهيار رجل غريب.
كان يعرف
المكان.
تحت لوح خشبي مخلوع وجد حذاء طفل صغير
أزرق.
مهترئ.
مطابق تماما لحذاء ابنه الذي اختفى قبل سبع سنوات.
في المستشفى لم يكن آدم يعرف كل هذا.
كان يعرف فقط أن ليان في غرفة العمليات
وأن الصمت صار أعلى من الصراخ.
عاد محمود بعد ساعات وجهه شاحب وصوته مكسور
آدم إنت ما أنقذتش أختك بس.
إنت فتحت باب ما كانش حد عايز يفتحه.
نظر إليه آدم دون أن يفهم المعنى كاملا.
هو لم يهرب لأنه شجاع.
هرب لأنه لم يكن لديه خيار.
والأبطال الحقيقيون
نادرا ما يعرفون أنهم كذلك.
لم يدرك آدم معنى كلمة النجاة فورا.
النجاة كما اكتشف لاحقا لا تعني أن تتوقف الضربات بل أن يبدأ عقلك في سماعها من جديد حتى بعد أن يصمت كل شيء من حولك.
في الليلة الأولى بعد العملية لم ينم.
كانت ليان في الحاضنة الزجاجية صغيرة إلى حد يخيف صدرها يرتفع ويهبط بصعوبة وكأنها لم تتعلم بعد كيف تثق بالهواء.
جلس آدم على الكرسي المعدني جوارها عيناه مثبتتان على الباب.
كل باب خطر.
كل صوت إنذار.
دخلت الدكتورة نورا بهدوء وجلست قربه.
تقدر ترتاح شوية. إحنا هنا.
لم يرد.
سألته بعد لحظة
بتحب الشاي
هز رأسه نفيا.
طيب بتحب إيه
تردد ثم قال بصوت خافت
أحب أعرف مين داخل.
فهمت.
لم يكن طفلا يبحث عن راحة بل عن سيطرة.
السيطرة هي آخر ما يتعلمه الأطفال الذين كبروا أسرع من أعمارهم.
في الصباح جاءت الأخصائية الاجتماعية هالة منصور.
ملف سميك.
ابتسامة مدروسة.
صوت ناعم أكثر مما ينبغي.
يا آدم إحنا محتاجين ننقلك مؤقتا لبيت رعاية. ده إجراء قانوني.
رفع رأسه بحدة
ومع ليان
ترددت.
ليان محتاجة تفضل تحت ملاحظة طبية شوية.
كان التحول فوريا.
لم يعد طفلا.
لا.
نزل من على الكرسي.
خطوتان سريعتان نحو الحاضنة.
وقف بينها وبين الجميع.
محدش يقرب.
ساد الصمت.
الرائد
محمود الذي كان واقفا في الخلف تقدم خطوة واحدة فقط.
آدم اسمعني. إحنا مش أعداءك.
ضحك ضحكة قصيرة بلا مرح.
الكل بيقول كده الأول.
لم يرفع صوته.
لم يبك.
لكن جسده كان مشدودا كوتر على وشك الانقطاع.
قال محمود بهدوء شديد
لو فضلت ماسكها كده هتتعب.
أتعب ولا تروح.
لم يكن تهديدا.
كان وعدا.
نظرت هالة إلى نورا ثم إلى محمود.
القانون يقول شيئا.
لكن الواقع أحيانا يصرخ بشيء آخر.
قال محمود أخيرا
هتفضل معاها.
إيه
هتفضل. وأنا أتحمل المسؤولية.
لم يقلها بصفته ضابطا.
قالها بصفته إنسانا رأى ما يكفي.
بعد ثلاثة أيام نقلت ليان إلى غرفة عادية.
وجاء القرار الأصعب
بيت رعاية مؤقت.
وصلوا إلى بيت ليلى عبدالسلام مع غروب الشمس.
لم يكن بيتا فاخرا.
لكن كان نظيفا دافئا تفوح منه رائحة الخبز والقرفة.
قالت ليلى امرأة في منتصف الأربعينيات بعينين متعبتين لكن ثابتتين
أهلا بيكم اعتبروا نفسكم في بيتكم.
لم يرد آدم.
دخل الغرفة.
تفحص الأقفال.
النوافذ.
الزوايا.
وجد سريرين متجاورين.
قالت ليلى بتردد
حبيت يكونوا قريبين لو ده يريحك.
لم يجب.
في تلك الليلة نام آدم على الأرض.
بين السريرين والباب.
في الأيام التالية بدأت الحقيقة تزحف ببطء.
خالة آدم سعاد ناصر لم تكن مجرد امرأة قاسية.
كانت نظاما كاملا.
جمعية مسجلة.
تبرعات موثقة.
تقارير نظيفة.
الأطفال الذين وجدوا في البيت
حالات مؤقتة.
سوء تفاهم.
ظهرت سعاد على شاشة التلفاز ترتدي حجابا أنيقا ووجها حزينا مدروسا.
أنا أم قبل أي شيء واللي بيتقال ده افتراء.
ذكرت اسم آدم.
الولد ده مضطرب. مر بصدمات. ممكن يكون فهم الأمور غلط.
كانت الدولة تحب الأوراق.
وسعاد كانت تجيدها.
بدأت القضية تهتز.
طفل من الأطفال السبعة تراجع عن شهادته.
قال إنه خاف.
قال إن محدش ضربه.
محدش قال
كيف اختفى الخوف فجأة.
ولا كيف تغيرت الرواية.
في بيت ليلى كان آدم يسمع الأخبار دون أن يعلق.
لكن في تلك الليلة
لم ينم.
جلس على الأرض وفتح حقيبة صغيرة.
ملابس.
دفتر قديم.
صورة ممزقة.
كان يعرف البيت.
يعرف أين تخفي سعاد الأشياء التي لا
تم نسخ الرابط