6 دولارات فقط عند صندوق الدفع… وما حدث بعدها لم يكن في الحسبان أبدًا صندوق الحسابات

لمحة نيوز

قصة 6 دولارات فقط عند صندوق الدفع وما حدث بعدها لم يكن في الحسبان أبدا
صندوق الحسابات
لم يكن الليل في حي الروضة القديمة يهبط فجأة بل يتسلل على مهل كضيف ثقيل الظل يعرف أنه غير مرحب به لكنه يأتي على أي حال. الأضواء الصفراء المتعبة فوق واجهات المحال تشتعل واحدة تلو الأخرى كأنها تتنهد قبل أن تبدأ دوامها الليلي والشارع الضيق يفرغ من ضجيجه المعتاد ولا يبقى فيه سوى خطوات متثاقلة لأناس أنهكهم النهار ولم يمنحهم الليل وعدا حقيقيا بالراحة.
كانت ليلى تقف خلف صندوق الحسابات في متجر صغير لا يحمل اسما لافتا مجرد لوحة باهتة كتب عليها مواد غذائية. متجر يعرفه أهل الحي أكثر مما يعرفون أسماء بعضهم ويدخلونه في صمت ويخرجون منه في صمت كأنهم يعقدون معه اتفاقا غير مكتوب لا أسئلة لا فضول فقط تبادل سريع بين الحاجة والقدرة.
بلغت ليلى التاسعة والثلاثين منذ شهرين لكنها لم تحتفل. لم تعد ترى في الأرقام ما يستحق الوقوف عنده. كانت السنوات تتشابه خلف هذا الصندوق وجوه تتبدل أياد تمتد نقود تعد بطاقات تمر وعيون تحمل أكثر مما تقوله الشفاه. ومع الوقت تعلمت ليلى أن تقرأ الناس من صمتهم من الطريقة التي يضعون بها مشترياتهم على السير من التردد قبل إخراج المحفظة من

تلك الوقفة القصيرة التي تسبق السؤال الأصعب هل يمكن.
لم تكن تعتبر نفسها ذكية لكنها كانت متمرسة. نصف عمرها قضته هنا بين رفوف الأرز والسكر والزيت وبين حسابات لا تكتب في الدفاتر. كانت تعرف الفرق بين من يشتري ما يريد ومن يشتري ما يستطيع ومن يشتري ما يخجل من الاعتراف بأنه لا يستطيع غيره.
اقتربت الساعة من الحادية عشرة ليلا. ذلك التوقيت الغريب الذي يفقد فيه المكان هويته لا هو نهار يمكن الاحتماء بضجيجه ولا هو ليل يمنح السكون. كانت ليلى قد أنهت عمليا حساب الصندوق في رأسها وبدأت تخطط لرحلة العودة إلى شقتها الصغيرة في الطابق الثالث من عمارة قديمة بلا مصعد وللكوب الدافئ الذي ستشربه قبل النوم حين دخلت المرأة.
لم تلفت الانتباه في البداية. لم تكن مختلفة ظاهريا عن كثيرات. عباءة داكنة حذاء مهترئ قليلا ووشاح ملفوف على عجل. لكن ما إن اقتربت حتى رأت ليلى الطفل. رضيع صغير محمول في حمالة قماشية قديمة جسده ملتصق بصدر أمه ورأسه مائل قليلا كأنه يبحث عن الأمان في المكان الوحيد الذي يعرفه.
كان ذلك النوع من القرب الذي لا يرى كثيرا. قرب لا علاقة له بالراحة بل بالحماية. كأن الأم تبني بجسدها جدارا بينها وبين العالم.
وضعت المرأة مشترياتها على السير ببطء.
لم تكن كثيرة ربطة خبز كيس أرز صغير علبة حليب بضع بيضات تفاحتان. ثم جاءت العلبة الأخيرة. علبة حليب الأطفال. وضعتها فوق البقية وتوقفت يدها لحظة كأنها تفكر في سحبها ثم تركتها مكانها.
مرت ليلى السلع واحدة تلو الأخرى. الأرقام ظهرت على الشاشة بلا رحمة. كانت تفعل ذلك كل يوم لكن هذه المرة شعرت بثقل غريب كأن الأرقام لا تخص آلة بل تخص قلبا ينبض أمامها.
قالت المبلغ بهدوء. لم ترفعه ولم تخفضه. مجرد رقم.
مدت المرأة يدها إلى حقيبتها. أخرجت محفظة جلدية باهتة. فتحتها. أغلقتها. أعادت فتحها. بدأت تعد النقود ببطء ثم بسرعة ثم أعادت العد مرة ثالثة. كانت أنفاسها تتغير مع كل حركة وكتفاها يهبطان قليلا.
قالت بصوت بالكاد يسمع
لحظة لو سمحت.
لم تجب ليلى. تعلمت أن الصمت في هذه اللحظات أرحم من أي كلمة.
بحثت المرأة في جيب معطفها ثم في جيب داخلي آخر ثم في الحقيبة نفسها مرة ثانية وكأن النقود قد تظهر فجأة إن أصرت بما يكفي. أخيرا رفعت عينيها. كان في نظرتهما شيء يشبه الاعتذار وشيء آخر يشبه الانكسار.
قالت
ينقصني
توقفت. ابتلعت ريقها.
ينقصني مبلغ صغير. هل يمكن إلغاء حليب الأطفال
لم تكن الجملة جديدة على أذن ليلى. سمعتها عشرات المرات بصيغ مختلفة. لكنها في كل مرة
كانت تشعر بأنها تقال لأول مرة في العالم.
نظرت إلى الطفل. كان نائما قبضته الصغيرة مغلقة وأنفاسه خفيفة كأنه لا يعلم شيئا عن الحسابات التي تجرى باسمه.
لم تفكر ليلى طويلا. في الحقيقة لم تفكر تقريبا. كان جسدها أسرع من عقلها. أخرجت من جيب سترتها ست ورقات نقدية قديمة قليلا مطوية على عجل.
قالت بهدوء وكأن الأمر بديهي
لا. خذي كل شيء. سأدفع أنا.
رفعت المرأة رأسها بسرعة كأنها لم تفهم. ثم اتسعت عيناها. تراجعت خطوة صغيرة وكأنها تخشى أن تكون أساءت السمع.
لا لا لا أستطيع
قالتها لكن صوتها خانها.
ابتسمت ليلى ابتسامة خفيفة ليست ابتسامة انتصار ولا شفقة بل تلك الابتسامة التي تقول انتهى الأمر.
عودي إلى بيتك. أطعمي طفلك.
لم تبك المرأة فورا. الدموع جاءت متأخرة نصف ثانية لكنها جاءت دفعة واحدة وملأت عينيها حتى فاضت. تمتمت بكلمات شكر غير مكتملة ثم ضمت طفلها أكثر كأنها تخشى أن يتبخر كل شيء إن تراخت.
خرجت من المتجر بخطوات سريعة وكأنها تهرب من مشاعرها قبل أن تغلبها.
وقفت ليلى لحظة تنظر إلى الباب الزجاجي بعد أن أغلق خلفها. شعرت بشيء دافئ يتحرك في صدرها شيء صغير لا يشبه الفرح تماما لكنه أفضل من التعب.
أنهت نوبتها بعد دقائق. أغلقت الصندوق. خرجت إلى الشارع.
لم تكن تعرف أن تلك الليلة بكل بساطتها
تم نسخ الرابط