حين عجز الطب تمامًا، ظهرت طفلة فقيرة بزجاجة بلاستيك… وما حدث بعدها حيّر المستشفى كله
قصة حين عجز الطب تماما ظهرت طفلة فقيرة بزجاجة بلاستيك وما حدث بعدها حير المستشفى كله
الزجاجة التي لم تكن ماء
لم يكن ممر مستشفى الأطفال في تلك الليلة يشبه مكانا يفترض أن تنقذ فيه الأرواح.
كان أشبه بممر طويل بين عالمين تفوح فيه رائحة المطهرات الثقيلة ممزوجة بقهوة باردة أعيد تسخينها أكثر مما ينبغي كأن أحدهم يحاول إقناع التعب بالاستيقاظ من جديد.
الأضواء البيضاء المعلقة في السقف لا تنير بقدر ما تبهت تجعل الوجوه شاحبة والعينين غائرتين وتحول كل من يمر تحتها إلى ظل باهت لإنسان.
في نهاية الممر عند الغرفة رقم 317 كان يقف سامي العابد.
رجل تجاوز الأربعين بقليل لكن كتفيه كانا يحملان ما يكفي لشيخوخة مبكرة.
بدلته الرمادية الأنيقة لم تعد أنيقة قميصه فقد استقامته وربطة عنقه ارتخت كأنها استسلمت هي الأخرى.
كان يرتجف.
ليس ارتجاف البرد ولا ذاك الارتجاف الخفيف الذي يصيب المرء حين ينتظر خبرا مهما.
بل ارتجاف أعمق يبدأ من العظم من مكان لا تصل إليه الكلمات حين يرى الإنسان ما لا يستطيع عقله قبوله.
منذ واحد وعشرين يوما لم يعرف سامي معنى النوم الحقيقي.
ثلاثة أسابيع قضاها على كرسي بلاستيكي قاس خارج الغرفة ينهض حين ينهض الأطباء ويجلس حين يجلسون يحدق في الباب كأن الخشب يمكن أن يرحمه إن أطال النظر.
داخل الغرفة كان ابنه ياسر.
ثلاث سنوات فقط.
جسد
في كل يوم كان ياسر يصغر أكثر لا في الحجم بل في الوجود.
يبهت صوته يخف نفسه ويصير حضوره كأنه شيء قابل للمحو.
كان سامي رجل أعمال ناجحا.
بنى اسمه في عالم لا يعترف إلا بالأرقام تعلم مبكرا أن لكل مشكلة ثمنا ولكل باب مفتاحا ولكل عقد بندا يمكن إعادة التفاوض حوله.
آمن حتى تلك الليلة أن المال لا يخسر.
إلى أن وقف هنا.
فتح الباب ببطء وخرج منه رجل في منتصف الخمسينيات ملامحه هادئة أكثر مما ينبغي.
كان الدكتور نادر الشافعي رئيس قسم الأطفال.
نظر إلى سامي تلك النظرة التي يعرفها كل من اضطر يوما لانتظار خبر سيئ
نظرة تجمع بين الحذر والشفقة وتحاول أن تسبق الانهيار بخطوة.
قال الطبيب بهدوء محسوب
أستاذ سامي نحتاج أن نتحدث.
عرف سامي ما تعنيه تلك الجملة.
جف فمه فورا وشعر بأن الأرض أسفل قدميه فقدت بعض صلابتها.
جلسا في ركن جانبي من الممر.
أصوات الأجهزة خطوات الممرضات بكاء طفل بعيد كل شيء صار ضبابا.
قال الدكتور نادر وهو يختار كلماته كما لو كانت قابلة للكسر
جربنا كل البروتوكولات الممكنة. حالات مشابهة نادرة جدا. استعنا بزملاء من الخارج وأعدنا الفحوصات أكثر من مرة
توقف.
وكان ذلك التوقف أثقل من أي جملة.
سأل سامي بصوت بالكاد خرج
قد إيه
خفض الطبيب نظره.
خمسة أيام. ربما أسبوع إن
خمسة أيام.
كررها سامي في رأسه.
خمسة أيام
كانت تلك عبارة تستخدم لتسليم مشروع لإنهاء صفقة لترتيب سفر.
لم تكن في قاموسه زمنا يفصل طفلا عن الحياة.
أكيد في حاجة تانية قال سامي وقد أمسك بذراع الطبيب دون أن يشعر.
فلوس نقل علاج تجريبي أي حاجة.
لم يبتعد الطبيب ولم يبد مرتبكا.
قال بهدوء موجع
أحيانا بنوصل لحدود الطب.
حدود.
كلمة لم يتعلم سامي يوما كيف يتعامل معها.
عاد إلى الغرفة.
جلس بجوار السرير أمسك يد ياسر الصغيرة.
كانت باردة على غير عادتها.
ضغطها على جبينه كأنها دعاء لا يعرف صياغته.
سال الدمع دون استئذان.
كيف سيخبر ليلى
زوجته كانت في مدينة أخرى تشارك في مؤتمر طبي.
يومان فقط.
يومان بينما ابنه لم يعد يملك إلا خمسة.
ظل يحدق في وجه ياسر يحفظ تفاصيله بعين مذعورة كما لو كان الدماغ يحاول تخزين كل شيء قبل الفقد.
وفجأة
فتح الباب.
مسح سامي دموعه بسرعة متوقعا ممرضة.
لكن الداخل لم يكن ممرضة.
كانت طفلة.
صغيرة ربما في السابعة.
ترتدي زيا مدرسيا قديما وسترة أكبر من حجمها كأنها ورثتها عن أخت أكبر.
شعرها الأسود غير مرتب وعيناها واسعتان بشكل غير معتاد.
وفي يدها زجاجة بلاستيكية صغيرة رخيصة لونها ذهبي باهت.
قال سامي بحدة مفاجئة
إنت مين ودخلتي هنا إزاي
لم تجب.
سارت مباشرة نحو السرير.
وقفت على كرسي صغير ونظرت إلى ياسر نظرة أربكت سامي
نظرة
قالت بصوت ثابت
أنا هخليه يبقى كويس.
لم يستوعب سامي الجملة إلا بعد فوات الأوان.
فتحت الغطاء
وسكبت الماء.
صرخ سامي اندفع نحوها انتزع الزجاجة من يدها جذبها للخلف بحذر وغضب.
إنت بتعملي إيه!
ضغط زر النداء.
سعل ياسر مرة واحدة
ثم سكن.
دخلت الممرضات وتعالت الأصوات.
ومن الممر جاء صوت امرأة مذعور
ريم!
دخلت عاملة نظافة شابة ملامحها متعبة.
أمسكت بالطفلة بسرعة.
أنا آسفة آسفة جدا. دي بنتي.
قالت الطفلة وهي تبكي
كنت بحاول أساعد ياسر.
تجمد سامي.
نظر إليها ببطء.
إنت تعرفي اسم ابني منين
تلعثمت الأم.
لكن الطفلة قالت ببساطة
كنا بنلعب مع بعض في حضانة خالتي.
شعر سامي أن شيئا ما انكسر في صدره.
ابني ما راحش حضانة في حياته.
نظرت الطفلة إليه بثقة غريبة.
راح. يومين في الأسبوع.
غادرتا الغرفة مسرعتين وتركتا سامي واقفا
والزجاجة الذهبية في يده.
فتحها.
شمها.
نظر إليها.
ماء.
عادي.
ومع ذلك
شيء ما بدأ يتحرك في داخله.
شيء اسمه
الأمل.
حين يبدأ الشك في التراجع
لم يخرج سامي العابد من الغرفة تلك الليلة.
جلس على الكرسي الملاصق للسرير ظهره مقوس ويداه مشبوكتان كمن ينتظر حكما لا يعرف إن كان بالإعدام أم بالنجاة.
كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرا الوقت الذي يهدأ فيه المستشفى على غير عادته حين تخفت الخطوات ويصير كل صوت أعلى مما ينبغي.
ياسر كان ساكنا.
ليس سكون الراحة بل سكون المراقبة الحذرة كأن جسده يقف على حد دقيق بين الاستمرار والتلاشي.
الأجهزة من حوله