في السادسة والثلاثين من عمري، تزوّجتُ امرأةً متسوّلة أنجبت لي طفلين

لمحة نيوز

يسلب الإنسان ذاته قطعة قطعة حتى لا يبقى منه سوى اسم على أوراق وممتلكات. اختارت أن تكون مجهولة منسية جائعة أحيانا لكنها حرة على أن تكون محاطة بكل شيء إلا السلام.
حين تقدم والدها نحوي لم أر فيه رجل أعمال نافذا ولا صاحب إمبراطورية بل رأيت أبا أنهكته السنوات وكسرت قلبه المسافات وأتعبته الأسئلة التي لا إجابة لها. في ملامحه امتزج الوقار بالانكسار والقوة بالحسرة كأن المال الذي ملكه يوما لم يستطع أن يشتري له الطمأنينة حين فقد أغلى ما يملك.
أمسك يدي بقوة صادقة وقال بصوت خرج من أعماق قلب متعب
شكرا لك لأنك رأيت ابنتي كما هي لا كما رآها الناس. شكرا لأنك لم تختصرها في ثيابها ولا في حالتها ولا في فقرها. لقد منحتها ما عجز المال عن منحه الأمان.
ساد صمت ثقيل في القرية صمت لم يكن فراغا بل كان محملا بمعان لم يعرفها الناس من قبل. صمت كشف هشاشة الأحكام وسذاجة الظنون وقسوة الكلمات التي تقال بلا تفكير.
لم يتخيل أحد أن المرأة التي مروا بها يوما دون اكتراث أو رموها بنظرات قاسية كانت ابنة واحدة
من أغنى العائلات ولا أن الرجل الذي عاش بينهم حياة بسيطة يحرث أرضه ويربي دجاجه سيصبح يوما صهرا لتلك العائلة.
لكنني وسط هذا الانقلاب كله لم أشعر بأن شيئا تغير في داخلي. لم ينتابني شعور النصر ولا الرغبة في الرد ولا لذة المفاجأة. الألقاب الجديدة بدت لي فارغة والمكانة الاجتماعية لم تلمس قلبي. كل ما فعلته أنني التفت إلى ليان ونظرت في عينيها طويلا. هناك في عمقهما كان الصفاء نفسه والبساطة نفسها والصدق ذاته الذي شدني إليها يوم رأيتها أول مرة في زاوية السوق.
عندها أدركت أن الحب الحقيقي لا يفاجأ بالحقيقة لأنه لم يبن أصلا على وهم. أحببتها حين كانت لا تملك شيئا وحين لم يكن لها اسم ولا مكان فكيف لي أن أتغير الآن
ومنذ ذلك اليوم تغيرت القرية أو لعل الناس هم من تغيروا. توقفت الثرثرة وانحسر التندر وحل محلهما صمت مختلف صمت التفكير والمراجعة.
وفي نهاية كل يوم حين يهدأ كل شيء كنت أرفع بصري إلى السماء وأشكر القدر شكرا لا ترافقه كلمات لأنه ساقني في تلك الأمسية الشتوية البعيدة إلى زاوية السوق
هناك حيث ظن الناس أنني وجدت امرأة متسولة بينما كنت في الحقيقة قد وجدت شريكة عمري ووجدت معها معنى الحياة الذي لم يعرفه المال يوما ولن يعرفه مهما كثر وتضاعف.
وهكذا لم تنته الحكاية كما تخيلها الناس بل بدأت من النقطة التي لم يستطيعوا رؤيتها. لم يكن التحول الحقيقي في الغنى الذي انكشف فجأة ولا في السيارات الفاخرة التي وقفت أمام البيت الصغير بل في السنوات التي مرت قبل ذلك بصمت في الجوع الذي تحملته ليان دون شكوى وفي القليل الذي اقتسمناه دون حساب وفي البيت الذي بني من صبر قبل أن يبنى من حجر. هناك في التفاصيل التي لا يلتفت إليها أحد ولد المعنى الحقيقي لما كنا عليه.
أدركت أن البشر لا يقاسون بما يملكون ولا تحدد قيمتهم بما يظهر للعين بل بما يختارونه حين لا يراهم أحد. بعض الطرق تختار لأنها الأسهل وبعضها يختار لأنها الأصدق حتى وإن كانت مؤلمة. ليان لم تهرب من الفقر بل هربت من عالم فقد إنسانيته خلف الواجهات البراقة واختارت أن تدفع ثمن الحرية بكرامة صامتة لا بترف ملوث بالصراعات.
وتعلمت
أنا أن الرحمة ليست ضعفا وأن اليد التي تمد بدافع الخير قد تغير مصيرين معا لا مصيرا واحدا. فذلك القرار الذي حسبه الناس تهورا كان في حقيقته أول مرة أسمع فيها صوت قلبي بوضوح. الحب لا يحتاج إلى ضمانات ولا إلى أسماء كبيرة ولا إلى حسابات مربحة يكفيه صدق النية واستعداد القلب لأن يحتمل.
ومع مرور الأيام فهمت أن الحقيقة لا تستعجل الظهور وأنها حين تفعل لا تأتي للانتقام ولا للتفاخر بل لتضع كل شيء في حجمه الصحيح. من سخروا صمتوا ومن حكموا تراجعوا لكن الأهم أنني لم أحتج يوما إلى اعتذارهم. ما كنت أملكه كان أكبر من أي اعتراف بيت يعرف معنى السكينة وقلب لم يخذل نفسه وامرأة اختارتني حين لم أكن شيئا في عيون العالم.
وهكذا بقيت حياتنا كما بدأت بسيطة هادئة صادقة. نعيش لا لنثبت شيئا لأحد ولا لنرد على أحد بل لأننا وجدنا في بعضنا ما عجز العالم بكل ما فيه عن منحه. وحين أنظر اليوم إلى السماء في نهاية كل مساء لا أشكر
القدر لأنه كشف الحقيقة بل لأنه أخفاها طويلا حتى نلتقي بصدق ونحب بصدق ونبني حياتنا
على ما لا يزول.

تم نسخ الرابط