أبٌ مُشرّد مع أطفاله الأربعة يعثر على بيتٍ داخل جذع شجرة… لكن ما وُجد في الداخل قلب مصيرهم إلى الأبد!
ماشي في الشارع، لكن حاسس إن رجليه مش شايلينه…
مش من التعب لكن من الهم والحزن.
حسام مندور كان عنده اتنين وأربعين سنة، بس اللي شافه في حياته يخلي العمر رقم مالوش معنى.
إيده كانت ناشفة من الشغل، جلدها متشقق من سنين شحم وحديد، بس عينه…
عينه كانت فاضية، كأن حد طفى النور جواها ومشي.
من تمن شهور بس، الدنيا وقفت.
منى ماتت.
ولا كلمة في اللغة عرفت توصف اللي حصل بعدها.
حادثة عربية، مكالمة فجأة، صوت مبحوح قاله:
«البقاء لله يا أستاذ حسام».
ومن يومها، البيت بقى ساكت.
مش هادي…
ساكت بطريقة تخوّف.
فضل لوحده مع أربعة أطفال، وكل واحد فيهم كان بيمثل وجع لوحده:
سلمى، أربعطاشر سنة، فجأة كبرت عشر سنين زيادة، بقت أم من غير ما حد يقولها.
كريم وآدم، توأم عندهم حداشر سنة، عينهم دايمًا على الأرض، سامعين أكتر ما بيتكلموا.
ونور… ست سنين، ولسه بتفتح الدولاب تدور على أمها.
كانت منى موجودة في كل حتة…
في ريحة الهدوم،
في الكوباية اللي كانت بتشرب فيها،
وفي العربية القديمة اللي سابتها وراها.
العربية دي كانت آخر حاجة باقية ليها.
كان كل ما يقعد فيها، يقفل عينه، وياخد نفس طويل…
يحس إنها لسه جنبه.
بس المأساة ما بتيجيش لوحدها.
بعد الجنازة بتلات شهور، الورشة قفلت.
ببساطة كده.
«مفيش شغل».
سمعها مرة، واتنين، وعشرة.
لف على ورش، مصانع، مواقع بناء.
يعرض إيده، تعبه، عمره…
والبلد كلها
الفلوس خلصت واحدة واحدة.
دفن، علاج، أيام ما كانش قادر يقوم من السرير.
ولما قام…
ملقاش غير الفاضي.
باع كل حاجة:
ترابيزة مكسورة،
كرسيين،
تلفزيون قديم،
وفضل فاضل العربية.
وفي صباح تقيل، وهو راجع البيت، لقى ورقة محشورة في الباب.
إنذار إخلاء.
تلات شهور إيجار متأخر.
قعد قدام الورقة كتير، كأنه مستني الحروف تغيّر مكانها.
لكنها فضلت زي ما هي.
الحاج سالم، صاحب البيت، كان صابر، بس هو كمان غرقان.
قال له بصوت مكسور:
«سامحني يا حسام… معاك لحد الجمعة».
أربعة أيام.
أربعة أيام بس.
رجع البيت، ريحة فول مسخن.
سلمى واقفة على البوتاجاز، ملامحها جد زيادة عن سنها.
بصّت له وقالت بهدوء:
«عملت إيه؟»
كان نفسه يكذب.
يقول: كله تمام.
بس اللي طلع منه بس ابتسامة موجوعة.
كريم وآدم حسّوا قبل ما يفهموا.
أما نور، جريت حضنته وقالت:
«جبتلي حاجة؟»
قلبه اتكسر، بس حضنها.
«مش النهارده… بس قريب».
صدّقته.
وإيمانها وجعه أكتر من الجوع.
في العشا، قال إنه مش جعان، ووزّع أكله عليهم.
سلمى شافت…
وسكتت.
بعد ما ناموا، قعد لوحده قدام الورقة.
نور ضعيف، عقله شغال.
وفجأة افتكر مكالمة قديمة مع أخوه عادل، اللي عايش في منطقة جبلية بعيدة.
قال له قبل كده:
«في أراضي رخيصة، وناس بتعيش على قدها… بس في سقف».
وقتها ضحك.
النهارده…
شافها نجاة.
تاني يوم، اشترى خمس تذاكر أتوبيس.
صرف آخر جنيه.
وجمع
قال بصوت ثابت بالعافية:
«هنسافر عند عمّكم عادل… نبدأ من جديد».
آدم قال اللي الكل حاسه:
«هيطردونا؟»
هز راسه:
«أيوه… بس مش هنبات في الشارع».
سلمى سألت عن المدرسة.
وعدها.
نور سألت أهم سؤال:
«هنفضل مع بعض؟»
رد من غير تفكير:
«دايمًا».
يوم السفر، الشنط صغيرة…
بس الحمل تقيل.
الأتوبيس اتحرك، والمدينة بعدت،
وحسام شد إيد نور…
ووعد نفسه:
الحزن مش هيكون آخر حاجة سيبهالهم أمهم.
وصلوا الفجر.
عادل كان مستنيهم، ضحكته دافية.
مراته أمينة حضنت العيال كأنهم ولادها.
أكلوا كويس لأول مرة من شهور.
والضحك رجع شوية.
بعد أسبوع، خدهم عادل ناحية الجبل.
الهواء نضيف.
الأرض هادية.
ولما وصلوا تجمع صغير، قابلوا ست كبيرة اسمها الحاجة رجاء.
قالت:
«إحنا هنا بنشيل بعض… اللي يقع نوقفه».
وحسام حس بحاجة غريبة…
خوف
وطمأنينة.
وفي يوم، نور صرخت من وسط الشجر:
«باباااا!»
راح…
ووقف.
شجرة ضخمة.
جواها…
باب.
بيت…
جوا شجرة.
وقف حسام، وقلبه بيدق،
وما كانش يعرف إن اللحظة دي
هتغيّر كل حاجة.
وقف حسام قدّام الشجرة الكبيرة، رافع راسه لفوق، حاسس إنها مش شجرة وبس…
كأنها واقفة بتبص له، بتسأله:
إنت مين؟ وجاي ليه؟
الباب الخشبي كان قديم، بس متماسك.
مدّ إيده، ولمسه بحذر، كأن أي حركة زيادة ممكن تصحي حاجة نايمة من سنين.
فتح الباب…
والصرير اللي طلع كان زي تنهيدة طويلة.
دخلوا واحد واحد.
سلمى كانت
كريم وآدم مشيوا وراها بحذر.
أما نور، فكانت مبسوطة كأنها دخلت قصة قبل النوم.
البيت من جوه كان دافي.
خشب مصقول، شباك داير يدخل نور الشمس، سلم لولبي طالع لفوق.
مكان صغير، بس معموله حساب.
مش بيت حد فقير…
ولا حد عادي.
قالت سلمى بصوت واطي:
«بابا… اللي بنى ده كان بيحب المكان قوي».
حسام ما ردّش، بس حس بحاجة بتتحرك جواه.
لقوا أدوات شغل مرتبة، كتب مليانة تراب، وملف جلدي قديم.
فتح الملف، لقى أوراق، خرائط، وأسم واحد مكتوب بخط ثابت:
سليم كاظم مندور.
وقف حسام.
الاسم ضربه زي الكهربا.
مندور؟
زيه؟
قفل الملف بإيده المرتعشة، وقال:
«لازم نعرف الحكاية دي».
رجعوا للبلد الصغيرة، وسألوا الحاجة رجاء.
قعدت تبص للشجرة من بعيد وقالت:
«الراجل ده جه من سنين، لوحده. هادي، محترم. بنى البيت ده بإيده، وقال إنه مكان للراحة… وللناس اللي ملهاش مكان».
سألها حسام:
«طب راح فين؟»
هزّت راسها:
«محدش يعرف. اختفى».
في السجلّات الحكومية، لقوا ملف قديم.
الضرائب متدفعة لحد أربع سنين فاتوا.
بعدها…
ولا حاجة.
المبلغ المتأخر كان كبير، بس مش مستحيل.
رجع حسام البيت الشجري، قعد على الأرض، وفتح الكتب.
مذكّرات.
كتبها سليم بخط هادي، كل صفحة فيها حكاية عن الوحدة، عن الغابة، عن البشر.
وفي صفحة متعلّمة بخط تقيل:
لو جرالي حاجة، البيت ده مش ملك… ده أمانة.
اللي يعيش فيه لازم يحافظ
سلمى كانت واقفة جنبه، عينيها دمعت.
«بابا… هو شبهنا».
وقتها حسام فهم.
اللي في إيده مش فرصة وبس…
مسؤولية.
الأيام عدّت، والعيال بدأوا يتأقلموا.