توقّفت بسيارتها لدقائق… فغيّرت مصير عائلة كاملة إلى الأبد
لم تكن كورين فليتشر من النساء اللواتي يلفتن الانتباه حين يدخلن غرفة. لم يكن في ملامحها ما يشي بدراما أو صخب ولا في حضورها ما يفرض نفسه على الآخرين. كانت تنتمي إلى ذلك النوع من البشر الذين يمرون في الحياة بهدوء يتركون أثرهم في العمق لا على السطح ويكتشفهم العالم متأخرا إن اكتشفهم أصلا.
أمضت سبعة وخمسين عاما وهي تعتقد أن حياتها ستظل محصورة بين ممرات المستشفيات المعقمة حيث الجدران بيضاء إلى حد القسوة والروائح واحدة لا تتغير وصوت الأجهزة الطبية يحل محل أي موسيقى محتملة. كانت تعرف كل زاوية في عيادتها بمدينة سيلفرغروف بولاية كولورادو تحفظ شقوق الأرضية وتفاصيل الطاولات المعدنية وتعرف متى سيصدر المصعد أنينه الخافت قبل أن تفتح أبوابه بثانية كاملة.
كانت طبيبة ناجحة يشهد لها المرضى بالكفاءة ويحترمها أهل البلدة احتراما مهذبا لا يتجاوز حدوده. لكن الاحترام كما كانت تعلم جيدا لا يعني الصحبة والإعجاب لا يصنع دفئا والنجاح لا يضمن الانتماء. كانت تعود كل مساء إلى شقتها الصغيرة تخلع معطفها الطبي بعناية وتضعه على الكرسي ذاته ثم تقف لحظة في منتصف الغرفة كمن ينتظر إشارة لا تأتي.
لم تشعر يوما أن تلك الشقة وطن. كانت مأوى مؤقتا طال أكثر مما ينبغي. جدرانها نظيفة أكثر من اللازم
في تلك الظهيرة من شهر يوليو كانت كورين تقود سيارتها عائدة من مؤتمر طبي استمر ثلاثة أيام. كان جسدها مرهقا وعقلها مثقلا بمصطلحات علمية ومناقشات طويلة فيما المذياع ينساب بصوت خافت لا تصغي إليه بقدر ما تستخدمه كحاجز ضد الصمت. الطريق امتد أمامها شريطا رماديا طويلا تحفه حقول زراعية واسعة وحظائر قديمة فقدت ألوانها الأصلية كأن الزمن مر عليها دون أن يلتفت.
كانت الشمس في منتصف السماء لكن الجو مشبع برطوبة خانقة غير معتادة على تلك المنطقة. أحست كورين بانقباض خفيف في صدرها ذلك الشعور الذي اعتادت تجاهله وتسميه إرهاقا مع أنها تعلم في أعماقها أنه شيء آخر أقدم وأكثر إلحاحا.
ثم رأتهما.
في البداية لم يكونا سوى شكلين على جانب الطريق. حقيبتان قديمتان وجسدان نحيلان يجلسان فوقهما كما يجلس التعب نفسه حين يتجسد. خففت كورين السرعة دون وعي وعيناها تركزان عليهما رغم محاولتها إقناع نفسها بالمضي قدما. كانا مسنين واضحا ذلك من انحناءة الظهر ومن الطريقة التي بدا فيها الجلوس مجهدا لا مريحا.
شد قلبها إحساس مبهم لم تستطع تحديده فورا. لم يكن شفقة خالصة ولا فضولا عابرا. كان
توقفت السيارة.
ترجلت كورين ببطء كمن يختبر قراره وهو ينفذه في الوقت ذاته. رفعت المرأة رأسها أولا. بدت في نحو الثمانين من عمرها شعرها الفضي مضفور بعناية بسيطة وعيناها واسعتان رغم التعب تحملان بقايا كرامة لم تستطع الحياة محوها. أما الرجل الجالس إلى جوارها فكان أكبر سنا يده ترتجف وهو يحاول الاستناد إلى حقيبته كأنها آخر ما يربطه بالأرض.
قالت كورين بصوت هادئ خال من التعاطف الزائد
هل أنتما بخير هل تحتاجان إلى مساعدة
تبادلت المرأة نظرة سريعة مع الرجل ثم أومأت ببطء.
من فضلك اسمي أوغستا كيلر وهذا زوجي ريموند. لم يعد لدينا مكان نذهب إليه.
توقفت الكلمات لحظة في الهواء قبل أن تتابع
طلب منا ابننا وابنتنا أن نغادر منزلهما هذا الصباح. قالا إننا أصبحنا عبئا.
وقعت الجملة على كورين كصفعة غير متوقعة. شعرت بحرارة تصعد إلى وجهها وبغصة لم تعتدها. أخذت نفسا عميقا محاولة أن تحافظ على نبرة ثابتة.
لا بد أنكما مرهقان. اركبا السيارة. سأقودكما إلى مكان آمن.
تحرك ريموند بقلق.
لا نريد أن نثقل عليك.
نظرت إليه كورين مباشرة دون تردد وقالت
لستما عبئا. أنتما بحاجة إلى مساعدة ودعاني أساعدكما.
لم
انطلقت السيارة وساد الصمت. كان صمتا ثقيلا لا يزعج بقدر ما يكشف. بعد دقائق قالت أوغستا بصوت منخفض
ربينا أبناءنا على اللطف. لا أعلم أين أخطأنا.
مدت كورين يدها وأمسكت بكفها.
أحيانا يضل الناس الطريق. هذا لا يعني أنك استحققت ما حدث.
لم تجب أوغستا لكنها شدت على يد كورين قليلا وكأنها تمسك بطوق نجاة غير متوقع.
حين وصلوا إلى شقة كورين بدا المكان مختلفا فجأة. كأن وجودهما أزاح عنه برودته المعتادة. أعدت لهما الشاي وقدمت شطائر بسيطة وعرضت عليهما غرفة الضيوف التي لم تستخدم منذ سنوات.
مع حلول الليل كان آل كيلر نائمين. جلست كورين وحدها إلى طاولة المطبخ تحدق في فناجين الشاي المستخدمة. شعرت بأن شيئا ما انفتح في داخلها بابا لم تكن تعلم أنها ظلت تنتظره طوال حياتها.
لم تكن تعرف بعد أن ذلك الطريق الذي توقفت فيه بسيارتها لن يعيدها أبدا إلى النقطة ذاتها.
لم تنم كورين فليتشر تلك الليلة إلا ساعات قليلة نوما متقطعا خفيفا كأن عقلها يرفض أن ينسحب من يقظته. كانت تستيقظ على أدق الأصوات خشخشة خفيفة من غرفة الضيوف سعلة مكتومة