سقطتُ في بئر العائلة… وخرجتُ بالحقيقة التي غيّرت كل شيء

لمحة نيوز

سقطت في بئر العائلة وخرجت بالحقيقة التي غيرت كل شيء
اسمي ليلى ولم يخطر ببالي يوما أن المرأة التي استقبلتني في بيتها زوجة لابنها يمكن أن تتحول إلى أخطر تهديد لحياتي.
لم يكن عداؤها لي صاخبا أو فظا بل كان هادئا محسوبا من ذلك النوع الذي لا يترك أثرا مباشرا لكنه ينهك الروح ببطء.
كارمة حماتي كانت امرأة تعرف كيف تخفي مشاعرها خلف قناع الوقار.
لم ترفع صوتها علي لم تشتمني صراحة لكنها لم تعاملني يوما كواحدة من العائلة.
كنت دائما الزيادة الدخيلة الغلطة اللي حصلت.
منذ اليوم الأول فهمت الرسالة حتى دون أن تقال.
نظراتها كانت كافية.
طريقة جلوسها حين أدخل الغرفة.
صمتها المتعمد عندما أتكلم.
أحيانا كانت تلمح وأحيانا تصرح.
مرة قالتها وهي تبتسم ابتسامة باهتة أمام بعض القريبات
إحنا عيلة معروفة ومش أي حد يشيل اسمنا.
ضحكوا.
ابتسمت.
لكن الكلمة استقرت في صدري كحجر.
حسام زوجي كان يرى كل شيء.
وحين كنت أواجهه كان يختار الطريق الأسهل.
كان يقول لي
استحملي يا ليلى دي أمي وست كبيرة ومش هتتغير.
وأحيانا يضيف
مش قصدة حاجة دي طريقتها بس.
كنت أصدقه أو أقنع نفسي بذلك لأن الحب أحيانا يجعلنا نبرر ما لا يجب تبريره.
المزرعة العائلية كانت في قرية بعيدة أرضها قاسية وبيوتها قليلة والناس فيها يعرفون بعضهم منذ أجيال.
هناك لا شيء يختفي طويلا ولا سر يظل مدفونا إلى الأبد.
ذهبنا في ذلك الأسبوع لزيارتها كعادة كل عام.
كنت متوترة لكنني حاولت إقناع نفسي أن الأمر لن يتجاوز التعليقات الجافة ونظرات الاستعلاء المعتادة.
في ظهيرة يوم أحد كانت الشمس عمودية والحر يضغط على الصدور.
خرج حسام مع أحد الجيران وبقيت أنا في البيت مع كارمة.
نادت علي

من الفناء الخلفي
يا ليلى تعالي شوية.
ترددت لحظة ثم خرجت.
كانت تقف قرب بوابة بستان الزيتون تمسك كشافا صغيرا.
قالت بنبرة هادئة
عايزة مساعدتك البير القديم شكله فيه مشكلة.
استغربت.
لم يسبق لها أن طلبت مساعدتي في شيء يخص الأرض.
قلت بحذر
بير إيه
ردت وهي تمشي ببطء
اللي في آخر البستان الناس بتقول إن فيه انهيار من تحت ولازم أبص.
مشيت خلفها وقلبي غير مطمئن.
ذلك الإحساس الخافت الذي لا تفسير له لكنه يصر على الظهور.
وصلنا إلى البئر.
كان مهجورا محاطا بحجارة قديمة وفوهته مفتوحة على ظلام كثيف.
الهواء حوله كان أبرد من بقية المكان.
وقفت على مسافة وقلت
المكان شكله خطر ما ينفعش نقرب كده.
نظرت إلي نظرة سريعة وقالت
ما تقلقيش بصي بس من فوق وأنا واقفة.
اقتربت ببطء.
أمسكت الكشاف وانحنيت قليلا لألقي نظرة.
سلطت الضوء إلى الداخل فرأيت جدرانا حجرية متآكلة تتخللها شقوق داكنة.
قلت دون أن أنظر إليها
البير مهجور من سنين الحجارة نفسها باينة مش ثابتة.
جاءني صوتها من الخلف هادئا أكثر من اللازم
قربي شوية مش شايفة كويس.
مددت عنقي قليلا وضعت يدي على الحافة الحجرية لأتوازن.
وفي تلك اللحظة شعرت بدفعة قوية في ظهري.
لم تكن زلة قدم.
كانت دفعة متعمدة.
صرخت
إنت بتعملي إيه!
لكن الصوت اختفى مع جسدي.
سقطت.
اصطدمت بالجدران الحجرية فقدت الإحساس بالاتجاه والهواء اندفع من صدري بقسوة.
ارتطمت بالأرض وصرخة مكتومة خرجت مني بينما الألم انفجر في ساقي وظهري.
رفعت رأسي بصعوبة ونظرت إلى الأعلى.
رأيت فوهة البئر دائرة صغيرة من الضوء ورأيت ظلها.
قلت وأنا ألهث
كارمة بالله عليك مددي إيدك.
لم تتحرك.
سمعت صوتها بوضوح مرعب
كده الغلط بيتصلح.
تجمد الدم
في عروقي.
قلت باكية
إنت هتموتيني!
ردت ببرود
اللي مالوش أصل مالوش مكان.
ثم اختفى الضوء وحل الظلام.
أدركت الحقيقة كاملة
كارمة تركتني لأموت.
هاتفي كان مكسورا.
الكشاف يضعف.
الألم ينهش جسدي.
جلست على الأرض أتنفس ببطء أقاوم الذعر.
بدأت أتحسس الجدران حتى لاحظت حجارة رخوة في أحد الجوانب.
دفعت إحداها ثم أخرى حتى ظهر فراغ صغير.
مددت يدي ولمست صندوقا قديما.
سحبته بصعوبة وفتحته.
ذهب.
عملات قديمة.
ووثق مختومة.
وصية واضحة
من يعثر على الصندوق المخفي في بئر بستان الزيتون يكون الوريث القانوني للممتلكات المذكورة.
لم يذكر اسم.
فقط المكتشف.
فهمت كل شيء.
ضممت الصندوق إلى صدري ومع غروب الشمس بدأت أضرب بالحجارة وأصرخ.
بعد ساعات سمعت أصواتا.
في صوت جاي من البير!
ظهر الضوء.
أنقذوني.
وحين كانوا يلفونني ببطانية رأيتها بين الناس.
كارمة.
شاحبة صامتة.
ضممت الصندوق إلى صدري.
وعرفت أنني خرجت حية
وأن ما بعد هذه اللحظة لن يشبه ما قبلها أبدا.
لم أتذكر الطريق إلى المستشفى ولا الأصوات التي كانت تحيط بي ولا الوجوه التي مالت فوقي بقلق.
كل ما علق بذهني هو الإحساس بالبرد وبأنني أتمسك بشيء واحد فقط كأنه طوق نجاة.
كان الصندوق بين ذراعي أضغطه إلى صدري كأنني أخشى أن يختفي إن أفلت قبضتي.
حتى وأنا شبه غائبة عن الوعي كنت أعلم أن هذا الصندوق هو السبب في كل شيء.
في غرفة الطوارئ أضواء بيضاء أصوات أجهزة ورائحة مطهرات نفاذة.
جسدي كان يؤلمني بالكامل لكن الألم الأكبر كان في صدري حيث تتكدس الأسئلة دون إجابة.
سمعت صوت طبيب يقول
عندها كدمات قوية واشتباه كسر في الساق ولازم أشعة فورا.
اقترب حسام وجهه شاحب وصوته مكسور
ليلى إنت سامعاني
فتحت
عيني بصعوبة ونظرت إليه طويلا قبل أن أتكلم.
قلت بصوت واهن
أمك زقتني.
تجمد في مكانه.
لم ينكر لم يسأل لم يدافع فقط جلس على الكرسي القريب وكأن الجملة سحبت الهواء من رئتيه.
قال بعد صمت ثقيل
إنت متأكدة
نظرت إليه وفي عيني شيء لم يره من قبل.
قلت بهدوء مؤلم
قالتلي وهي واقفة فوقي كده الغلط بيتصلح.
لم يبك فورا.
ظل صامتا يحدق في الأرض وكأن ذكريات قديمة بدأت تعيد ترتيب نفسها داخله.
دخلت الشرطة بعد ساعات.
طلبوا إفادتي وكان صوتي ما زال ضعيفا لكن عقلي كان حاضرا على غير العادة.
سألني الضابط
اللي حصل ده حادث ولا في شبهة تعمد
نظرت إليه مباشرة وقلت
تعمد.
قصصت كل شيء.
من لحظة طلبها مساعدتي إلى الدفعة إلى الكلمات التي قالتها إلى الظلام.
أحد الممرضين أشار إلى الصندوق
ده إيه
قلت
ده السبب.
فتح الصندوق أمامهم وعندما ظهرت العملات والوثائق تغيرت ملامح الجميع.
لم يعد الأمر مجرد حادث سقوط في بئر.
وصلت كارمة إلى المستشفى بعد ساعات.
دخلت وهي تمشي ببطء ووجهها متماسك أكثر مما توقعت.
قالت للضابط بنبرة ثابتة
اللي حصل حادث البنت اتزحلقت وأنا جريت أجيب مساعدة.
ضحكت ضحكة قصيرة خرجت مني رغما عني.
قلت
سيبتيني في البير ومشيتي لا صريخ ولا جري ولا مساعدة.
نظرت إلي نظرة حادة وقالت
إنت بتلفقي.
لكن الجيران لم يصمتوا.
أحدهم قال
سمعنا صوت خناقة قبل ما نسمع صريخها.
وقال آخر
شفت كارمة طالعة من ناحية البير لوحدها.
بدأت القصة تتشكل.
ولأول مرة لم تكن روايتها هي الوحيدة المسموعة.
بعد أيام خرجت من المستشفى بعكاز وجسد متعب لكن بعقل أوضح من أي وقت مضى.
بدأ التحقيق الرسمي وبدأ معه صدام لم يعد ممكنا تجنبه.
استعنا بمحامية اسمها مريم متخصصة
في قضايا المواريث والنزاعات العائلية.
قلبت الوثائق صفحة صفحة وفحصت الأختام وقارنت التواريخ.
قالت لنا بثقة
الوصية سليمة ومسجلة في سجلات قديمة ومفيش فيها ثغرة.
حسام جلس
تم نسخ الرابط