طفلة في السابعة شعرت أن شخصًا غريبًا يتبعها… وما فعلته بعدها أنقذ حياتها
لم تكن مريم تحب العودة وحدها وقت الغروب، لكن ذلك اليوم لم يترك لها خيارًا.
السماء كانت تميل إلى الرمادي، والشارع بدا أطول من المعتاد، كأن المسافة بين المدرسة والبيت تمددت فجأة دون سبب واضح.
شدّت حقيبتها الوردية إلى ظهرها وتقدمت بخطوات محسوبة، لا بطيئة ولا سريعة، وكأنها تحاول أن تُنهي الطريق قبل أن ينتبه قلبها إلى ما يشعر به.
هكذا بدأت الحكاية.
دون إنذار، ودون علامة واضحة تخبر أن البساطة قد تنقلب في لحظة إلى ذكرى لا تُمحى.
كانت مريم، ذات الأعوام السبعة، تسير في الشارع الهادئ الذي حفظته قدمًا قدمًا. حقيبتها الوردية تتمايل خلفها مع كل خطوة، تصدر صوتًا خفيفًا كأنه تذكير بواجبات لم تُحل بعد، وبقصص قرأتها على عجل، وبأقلام ملونة اختلطت في قاع الحقيبة.
كان السحاب نصف مفتوح، وأطراف الدفاتر بارزة، كأنها تحاول الهرب من ضيق المكان.
أما الوشاح المخطط الذي أصرت أمها أن تربطه حول عنقها صباحًا، فكان ينزلق عن كتفها مرة بعد أخرى، مهما حاولت مريم إعادته.
شدته.
ثم عاد لينزلق.
شدته مرة ثانية.
ثم تركته، ومضت.
كانت الشمس تميل نحو الغروب، ترسم ظلالًا طويلة على الأرصفة، والهواء باردًا بما يكفي ليجعل أنفاسها تظهر خفيفة أمام فمها. لم يكن بردًا قاسيًا، لكنه كان كافيًا ليجعلها تضم ذراعيها قليلًا وهي تسير.
كل شيء كان طبيعيًا…
إلا الصمت.
لم تنتبه له مريم في البداية بعقلها، بل شعرت به في صدرها، إحساس خفيف كالوخز، قبل أن تلتقطه حواسها بوضوح.
الشارع كان ساكنًا على غير عادته.
لا سيارات تمر.
لا أطفال يركضون.
لا أصوات حديث تتسرب من شرفة قريبة.
حتى الكلب الذي اعتاد النباح
توقفت مريم لثانية واحدة.
رفعت رأسها، ونظرت إلى امتداد الشارع أمامها.
الأشجار كانت عارية، أغصانها ترتجف تحت همس الريح، وذلك الهمس وحده كان يملأ الفراغ، لا ليكسر الصمت، بل ليؤكده.
قالت في نفسها محاولة التخفيف:
ربما الجميع في الداخل… ربما تأخروا اليوم.
وأكملت السير.
لكن الإحساس لم يختفِ.
بل بدأ يتسلل أعمق، شعور ضبابي بأن شيئًا ما ليس في مكانه الصحيح. لم يكن خوفًا صريحًا، بل حدسًا غامضًا، كأن روحها تسبق عقلها بخطوة وتحذره.
وعندما اقتربت من العمارة… رأته.
كان يقف قرب المدخل، كظل منفصل عن بقية الظلال.
طويل القامة، عريض الكتفين، يرتدي ملابس سوداء من رأسه حتى قدميه. معطف طويل، ياقته مرفوعة، ووشاح داكن يغطي جزءًا كبيرًا من وجهه، فلا يظهر سوى عينين ثابتتين، حادتين.
لم يكن ينظر إلى هاتفه.
لم يكن ينتظر أحدًا.
لم يلتفت يمينًا أو يسارًا.
كان ينظر إليها.
توقفت مريم فجأة.
كأن الأرض أمسكت قدميها ومنعتهما من الحركة.
تسارع نبض قلبها حتى شعرت به في أذنيها، وضاق صدرها، وصار الهواء أثقل من أن يدخل رئتيها بسهولة. قبضت على حزام حقيبتها الصغيرة بقوة، ولاحظت دون أن تفهم كيف أن كفيها صارا رطبين.
حاولت أن تقنع نفسها:
ربما ساكن جديد… ربما عامل… ربما ينتظر أحد سكان العمارة.
لكن الإحساس بالخطر لم يهدأ.
بل تضخم.
وفي تلك اللحظة… تحرك الرجل.
خطا خطوة إلى الأمام.
ثم ثانية.
لم يكن يمشي بسرعة، بل ببطء محسوب، كأنه يريدها أن تراه، أن تنتبه له. أدار رأسه قليلًا ومسح الشارع بنظرة خاطفة.
لا أحد.
شعرت مريم أن قلبها يدق بعنف، وأن كل الأصوات اختفت،
عاد صوت والدها إلى ذاكرتها فجأة، واضحًا كأنه يقف بجانبها:
«إذا شعرتِ بأن هناك شيئًا غير طبيعي… لا تتجاهلي إحساسك. اصنعي ضوءًا. اصنعي صوتًا.»
كانت تلك الكلمات قد قيلت لها ذات ليلة، حين شرح لها والدها، بصوت هادئ ومطمئن، كيف تحمي نفسها إن شعرت بالخطر. لم يقل لها: كوني قوية فقط. بل أعطاها خطة.
والآن… كانت بحاجة إليها.
اقترب الرجل خطوة أخرى.
والعمارة خلفه بدت كفم مظلم، مدخل ضيق، درج يصعد إلى الأعلى، والإنارة الداخلية لا تظهر بوضوح من الخارج.
كان عليها أن تختار.
تركض؟
تصرخ؟
تدخل وتغلق الباب؟
وفي لحظة قصيرة جدًا… لحظة فاصلة… اتخذت مريم قرارًا لم يكن مبنيًا على الهروب وحده، بل على شيء أذكى.
استدارت فجأة نحو المدخل.
لكنها لم تندفع إلى شقتها مباشرة.
اندفعت بخطوات سريعة، لا تركض تمامًا ولا تمشي ببطء، واعية لكل حركة، لكل ثانية. لم تلتفت خلفها، لكنها كانت تشعر به. بثقله في الهواء، وبقربه الذي صار أقرب مما ينبغي.
دخلت المدخل…
وكان أول ما لاحظته هو العتمة.
الدرج ضيق، الجدران باهتة، والمصابيح مطفأة. مكان عادي تحوّل فجأة إلى فجوة بلا صوت.
ثم سمعت وقع خطوات خلفها.
خطوة…
ثم أخرى.
لم يعد يحاول التخفي.
ارتجفت يد مريم، لكن عقلها كان يعمل بسرعة غريبة. رفعت يدها الصغيرة، وبدأت تضرب مفاتيح الإضاءة واحدًا تلو الآخر.
مفتاح…
ثم آخر…
ثم ثالث…
وفجأة…
انفجر الضوء.
أضاء الممر دفعة واحدة، تراجعت الظلال، وانكشف المكان. توقفت الخطوات خلفها، وسمعت زفرة قصيرة حادة.
لكنها لم تتوقف.
تقدمت نحو أقرب باب شقة، وبدأت تطرق.
مرة…
ثم
ثم راحت تضرب الباب بكل ما تملك.
— النجدة! من فضلكم ساعدوني!
خرج صوتها مكسورًا، لكنه كان عاليًا. عاليًا بما يكفي ليكسر الصمت الخانق.
وانفتح الباب.
وفي تلك اللحظة…
تغيّر كل شيء.
ظلّ الضوء في مدخل العمارة مشتعلًا، كأنه يرفض أن يعود إلى حالته الأولى.
لم يكن مجرد مصابيح أُضيئت، بل كان إعلانًا غير مرئي بأن شيئًا ما تغيّر، وأن المكان الذي اعتاد الصمت صار شاهدًا.
وقفت مريم قرب الباب المفتوح، حقيبتها الوردية مشدودة إلى صدرها، كأنها آخر ما يربطها بالأمان. كان قلبها ما يزال يخفق بسرعة، لا بنفس الذعر، لكن بارتجاف متبقٍّ، يشبه ذيول الخوف بعد العاصفة.
انحنى الرجل الذي فتح الباب قليلًا ليكون في مستوى نظرها، وقال بصوت أهدأ مما توقعت:
— هل أنتِ بخير؟
أومأت مريم برأسها ببطء.
كانت الكلمات حاضرة في عقلها، لكنها لم تجد طريقها إلى فمها بعد.
وضعت زوجته يدها على كتف الطفلة. لم تكن حركة كبيرة، لكنها كانت كافية. لمسة دافئة أعادت لجسد مريم إحساسه بحدوده، وأخبرتها دون كلمات أن الخطر لم يعد هنا.
— تعالي إلى الداخل قليلًا، قالت المرأة بلطف. اجلسي هنا حتى نطمئن عليك.
ترددت مريم لحظة. لم تكن تحب دخول بيوت الغرباء. والدتها كانت تكرر ذلك دائمًا.
لكن هذا المكان لم يشعرها بالغربة.
رائحة قهوة خفيفة، صوت تلفاز منخفض، وإحساس بالحياة اليومية كسر الفراغ الذي تركه الخوف.
جلست على طرف الأريكة، وما تزال تمسك بحقيبتها. نظرت إلى يديها، ولاحظت كيف كانتا ترتجفان.
— أين يسكن والداك؟ سأل الرجل.
رفعت يدها الصغيرة وأشارت إلى الأعلى.
— في الطابق الثالث… الشقة الأخيرة.
تبادل الزوجان
جلست المرأة بجوارها وقدمت لها كوب ماء.
— اشربي، سيساعدك.