كلبٌ ضالّ سرق حقيبتي… لكنه قادني إلى حقيقة غيّرت حياتي للأبد

لمحة نيوز

لم أكن أعرف وقتها أن الحقيبة التي كانت تتأرجح من كتفي أخف من السر الذي كنا على وشك الاصطدام به.
ولا أن تلك الظهيرة التي بدت عادية إلى حد الملل كانت تتحرك نحونا ببطء كفخ مغلف بالضوء والضحكات.
المدينة في ذلك الوقت من اليوم لا تبدو خطرة.
العكس تماما.
تمنحك إحساسا خادعا بالأمان كأنها تربت على كتفك وتقول لا شيء سيحدث الآن.
وهذا بالضبط ما يجعلها قاسية حين تقرر فجأة أن تكشف وجهها الآخر.
كنا نجلس أنا وعمر في الحديقة لا لأننا خططنا لذلك بل لأن الحياة أوقفتنا هناك مؤقتا.
مقعد خشبي قديم تشققت أطرافه شجرة دلب شاهقة لا تهتم بمن يحتمي بظلها وأحاديث عابرة تقال فقط لملء الصمت.
كنا نضحك نعم لكن ضحكا بلا وزن بلا جذور ضحك من لا يعرف أن بعد دقائق قليلة سيختبر في شيء لم يكن مستعدا له.
كنت أحدث عمر عن فيلم شاهدته مؤخرا عن بطل ينجو دائما في اللحظة الأخيرة.
ضحك وقال إن السينما تكذب وإن الواقع لا يمنح فرصا ثانية بهذه السهولة.
هززت رأسي موافقة دون أن أدرك أن الواقع كان يستمع إلينا وربما يبتسم بسخرية.
الهواء كان دافئا مشبعا برائحة القهوة القادمة من المقهى القريب وبأصوات الأطفال وهم يركضون بلا خوف حول الأراجيح.
كل شيء بدا في مكانه.
وهذا وحده كان كافيا ليجعلني أغفل عن العلامات الصغيرة.
ذلك الصمت المفاجئ الذي مر كنسمة غير مرئية.
تلك اللحظة التي خف فيها الضجيج دون سبب واضح.
كأن المكان أخذ نفسا عميقا.
ثم انكسر الإيقاع.
لم يكن صوتا عاليا
ولا صرخة
بل خطوات خفيفة على الرصيف
خطوات لا تشبه خطوات البشر.
رفعت رأسي لأجد كلبا يقف على بعد

خطوات قليلة منا.
كان أصغر مما توقعت جسده نحيل وفراؤه خليط غير متجانس من الغبار والعقد الصغيرة.
أضلاعه كانت واضحة تحت جلده لا تخفيها حتى محاولات الوقوف بثبات.
لكن عينيه
كانتا خطأ في هذا المشهد.
لامعتين أكثر مما ينبغي يقظتين على نحو مزعج كأنهما تحملان ذاكرة أطول من عمره.
توقف الكلب نبح نباحا خافتا ثم جلس.
لا عدوان لا خوف.
فقط ترقب.
قلت لعمر بنبرة عادية
شكله ضال.
أومأ وهو يلوح بيده محاولة لإبعاده.
لكن الكلب لم يتحرك.
بل اقترب خطوة ثم أخرى حتى وضع كفيه على ركبتي للحظة قصيرة كأنها إشارة مدروسة ثم دار حولنا بسرعة مفاجئة.
نبح.
هذه المرة بنبرة مختلفة.
إصرار واضح.
وقبل أن نفهم ما يحدث انحنى فجأة أمسك بحقيبتي بأسنانه وانطلق.
هيه!
خرج الصوت من فمي مكسورا.
كان عمر قد نهض بالفعل.
ركضنا خلفه والكلب لا يفر بل يلتفت إلينا مرارا كأنه يتأكد أننا ما زلنا خلفه.
قادنا عبر ممرات متعرجة بعيدا عن ضوضاء الحديقة.
تشابكت فروع أشجار البلوط فوق رؤوسنا وتغير الهواء صار أثقل أبرد.
انتهى المسار إلى زقاق ضيق بين مبنيين قديمين.
حجارة رطبة رائحة معدنية خفيفة وصمت لا يشبه الصمت المريح.
أسقط الكلب الحقيبة برفق وجلس يلهث كأنه أتم مهمة.
انحنيت لألتقطها وشعرت بمزيج غريب من الارتياح والارتباك.
لكن قبل أن أستقيم شق السكون أنين منخفض.
تجمدت.
قال عمر بصوت خافت
سمعتي
اقتربنا بحذر.
تحت بطانية بالية كان رجل مسن منكمشا إلى الجدار.
وجهه مخطط بالأوساخ وثيابه ممزقة وعيناه نصف مغمضتين.
حاول أن ينهض فارتجفت يداه.
حين التقت عيناه بعيني رأيت شيئا لم أنسه
أبدا
كرامة متعبة وخوفا بلا ضجيج.
من فضلكم ساعدوني.
لم أدرك أنني ركعت على الحجارة الباردة إلا بعدما حدث.
كان تنفسه ضحلا وجلده باردا.
الكلب اقترب دفع كتف الرجل بأنفه ثم التصق به كأنه يمنحه دفئه القليل.
قال عمر وهو يخرج هاتفه
هكلم الإسعاف.
تحركت شفتا الرجل باسم تلاشى مع السعال.
هيلاقوني
ومن طرف الزقاق دوى وقع أقدام.
انتفض الكلب فورا.
وقف بيننا وبين الصوت ونبح نباحا منخفضا تحذيريا.
ظهر رجلان.
حركتهما مدروسة نظراتهما قاسية.
قال أحدهما ببرود
أهو.
تشبث الرجل المسن بكم معطفي وهمس
لو سمحتوا ما تسيبوهمش يرجعوني.
رفع عمر هاتفه وقال بهدوء
الشرطة في الطريق.
لم يكن تهديدا بل قرارا.
تعالت صفارات بعيدة ثم أقرب.
تبادل الرجلان نظرة وتراجعا إلى الظل.
حين وصلت الإسعاف والشرطة انسكب الجيران إلى الزقاق.
تعرف أحد الضباط على الرجل.
ده الحاج سالم عز الدين.
كان مبلغ عن حاجة مهمة واختفى.
حمل سالم على النقالة والكلب يسير بجانبه رأسه مرفوع عيناه ثابتتان.
في تلك اللحظة فهمت.
لم يكن يبحث عن طعام.
كان يبحث عن شهود.
وعندما عدنا إلى البيت مساء كان نور الاسم الذي اخترناه له دون تفكير يسير خلفنا كأنه يعرف الطريق منذ زمن.
وفي صمته كان يحمل بداية قصة لم تنته بعد.
لم يكن الليل رحيما بتلك المدينة.
في النهار تخفي شقوقها تحت الضحكات والألوان
أما حين ينسحب الضوء
فتظهر الحقيقة بلا تزيين.
عاد نور معنا إلى الشقة لا كضيف مؤقت
بل ككائن يعرف دون شرح
أنه وصل أخيرا إلى مكان لن يطرد منه.
منذ اللحظة الأولى تحرك داخل المساحة الضيقة بثقة من عاش في بيوت
كثيرة ثم فقدها جميعا.
شم الزوايا اقترب من النافذة جلس قرب الباب
كأنه يرسم خريطة أمان خاصة به.
أما أنا
فلم أكن قادرة على الجلوس.
كانت صورة الرجل المسن سالم عز الدين
وعيناه الممتلئتان بشيء يشبه الاعتذار
تتكرر في رأسي بإلحاح مؤلم.
قال عمر وهو يضع كوبين من الشاي على الطاولة
واضح إن الموضوع أكبر من واحد تايه في الشارع.
أومأت.
لم أحتج لكلمات.
كان الخطر قد عبر معنا الباب بالفعل.
في تلك الليلة لم ينم نور.
بقي يقظا يتحرك كلما صدر صوت في الشارع
لا نباح لا فوضى
فقط مراقبة دقيقة كأن النوم رفاهية لا يثق بها.
في المستشفى كان سالم يرقد تحت أضواء بيضاء قاسية.
أنابيب أجهزة وأسئلة لا تنتهي.
جلست إلى جواره في اليوم التالي
بينما وقف عمر يتحدث مع أحد الضباط في الخارج.
فتح سالم عينيه ببطء.
حين رآني تحركت شفتاه بابتسامة شاحبة.
الكلب
نور. اسمه نور.
هز رأسه بصعوبة.
هو اللي أنقذني.
ثم صمت.
صمت طويل مثقل
كأن الكلمات تخونه.
قال أخيرا
قلت الحقيقة وده كان كفاية علشان أبقى عبء.
حكى لنا بقطع غير مرتبة.
عن مستندات رآها بالصدفة
عن أموال تغسل خلف واجهات محترمة
عن أسماء لا تقال إلا همسا.
حين أبلغ لم يأت الرد كما توقع.
لم تفتح الأبواب
بل أغلقت.
تهديدات مكالمات صامتة
ثم اختفاء تدريجي من حياته السابقة.
افتكرت إني لو اختفيت شوية
الموضوع يهدى.
ضحك ضحكة قصيرة بلا فرح.
بس الحقيقة عمرها ما بتهدى.
في الأيام التالية بدأت الخيوط تتحرك.
ببطء.
بحذر.
عمر بطبيعته العملية صار يدقق في التفاصيل.
مواعيد أسماء سجلات.
وأنا
كنت أراقب نور.
كان يتغير.
لم يعد
مجرد كلب نجا من الشارع.
صار حارسا لمعنى أعمق.
في نزهاتنا المسائية
كان يتوقف فجأة
يشد المقود
وينظر إلى أماكن لا نراها.
مرة عند مدخل زقاق
تجمد تماما.
أنفه مرتفع
تم نسخ الرابط