كلبٌ ضالّ سرق حقيبتي… لكنه قادني إلى حقيقة غيّرت حياتي للأبد
أذناه مشدودتان.
لم يكن هناك أحد.
لكن إحساسا ثقيلا مر بي.
عدنا للبيت بسرعة تلك الليلة.
وبعدها بساعات
رن الهاتف.
مستشفى.
سالم اختفى من غرفته.
لم تكن هناك علامات عنف.
لا كاميرات التقطت شيئا واضحا.
فقط سرير فارغ ونافذة مفتوحة جزئيا.
قال الضابط
حد كان مستنيه.
لم أنم تلك الليلة.
ولا نور.
مع الفجر
وقف عند الباب
ينبح لأول مرة منذ عرفناه.
نباح قصير حاد
قرار.
قادنا.
لم أفكر.
ارتديت معطفي تبعته
وعمر خلفي.
قادنا عبر شوارع جانبية
أزقة لم نمر بها من قبل
أماكن لا تسكنها القصص السعيدة.
توقف أمام مبنى مهجور.
بابه نصف مخلوع
ونوافذه مظلمة.
دخل نور أولا.
كان سالم هناك.
مربوط منهك
لكن حي.
وحيدا
إلا من الرجل الذي كان يقف فوقه.
تعرفت على صوته قبل وجهه.
نفس البرود.
نفس النبرة.
قلت لك تبعد.
تحرك نور. ليس بسرعة بل بثبات.
قفز. لم تكن معركة طويلة ولا بطولية لكنها كانت حاسمة.
وصلت الشرطة بعد دقائق
كأن الزمن قرر أخيرا أن يتعاون.
خرج سالم محمولا
وعيناه دامعتان.
نظر إلى نور وهمس
كنت عارف إنك مش هتسيبني.
في تلك اللحظة
أن الشجاعة لا تصرخ ولا تحتاج جمهورا.
أحيانا تكون على أربع قوائم وفراء متسخ
وقلب يعرف الطريق وسط العتمة.
وكان هذا مجرد اقتراب من النهاية.
لم يعد الصباح بعد تلك الليلة يشبه ما قبله. الضوء نفسه بدا مختلفا أقل براءة كأنه يعرف ما مر بنا ولم يعد قادرا على التظاهر بالحياد. المدينة استيقظت كعادتها لكننا لم نعد الأشخاص أنفسهم الذين ناموا فيها.
كان سالم عز الدين في المستشفى مرة أخرى لكن هذه المرة محاطا بحراسة حقيقية لا تشبه الوعود الفارغة السابقة. جسده أنهكه الخوف أكثر مما أنهكه المرض ومع ذلك كانت عيناه أكثر ثباتا كأن النجاة حتى لو جاءت متأخرة تعيد ترتيب الداخل.
قال لي بصوت خافت وأنا أجلس إلى جواره إن الخوف لا يختفي لكنه يتراجع حين يشعر الإنسان أنه لم يعد وحيدا. لم يكن يتحدث عن الشرطة ولا عن العدالة كان ينظر إلى الباب حيث كان نور مستلقيا بهدوء كأنه قطعة من المكان.
التحقيقات هذه المرة سارت أسرع ربما لأن الاختفاء الثاني لم يترك مجالا للإنكار. أسماء خرجت إلى الضوء وأخرى حاولت الاختباء
عمر أصبح أكثر صمتا في تلك الأيام. لم يكن خوفا بل وعيا جديدا بثقل التفاصيل الصغيرة. كان يقول إننا نمر على الحياة بسرعة تجعلنا نظن أن الشر واضح دائما بينما هو في الحقيقة هادئ مهذب ويعرف متى يبتسم.
أما نور فلم يعد كلبا ضالا بأي تعريف. صار جزءا من إيقاع يومنا يعرف مواعيدنا يقف عند النوافذ في أوقات محددة ويختار أماكنه في البيت كما لو أنه يستعيد ذاكرة قديمة ضاعت منه طويلا.
في نزهاتنا كان الناس يتوقفون ليمسحوا على رأسه يصفونه بالوفي أو الشجاع دون أن يعرفوا القصة. كنت أبتسم ولا أشرح. بعض القصص تفقد معناها حين تقال كاملة لأنها في الأصل تحس ولا تروى.
سالم خرج من المستشفى بعد أسابيع ليس إلى بيت قديم بل إلى حياة جديدة لم يكن يتخيل أنه سيحصل عليها. لم يعد يختبئ ولم يعد صوته منخفضا. قال لي مرة إن أكثر ما يؤلمه ليس ما كاد يحدث له بل كم مرة مر الناس بجواره دون أن يروه.
في إحدى الأمسيات عدنا أنا وعمر إلى نفس المقعد الخشبي
جلس نور عند أقدامنا رافعا رأسه يراقب العالم بلا توتر. لم يعد يبحث لم يعد يركض كأن مهمته انتهت أو كأنها تحولت إلى شيء أبسط وأعمق البقاء.
فهمت وقتها أن النجاة لا تكون دائما حدثا ضخما ولا لحظة سينمائية كما في الأفلام. أحيانا تكون سلسلة قرارات صغيرة أن تتوقف أن تلاحظ أن تتبع نباحا خافتا بدل أن تدير ظهرك.
العالم لا يتغير دفعة واحدة ولا يصبح أكثر عدلا فجأة. لكنه يلين قليلا خطوة بخطوة حين يختار أحدهم ألا يتجاهل ما يحدث في الظل. وحين يفعل لا يكون وحده أبدا.
المدينة ما زالت مليئة بالأزقة وبالقصص التي لم تنقذ بعد وبالأصوات التي لا يلتفت إليها أحد. لكنني صرت أبطئ السير أنظر أطول وأصغي أكثر لأنني تعلمت أن الحياة أحيانا ترسل إشاراتها في صورة كلب أشعث بعينين لا تعرفان الاستسلام.
وهكذا دون خطب دون تصفيق ودون أن يلاحظ معظم الناس انتهت قصة وبدأت أخرى. قصة عن الانتباه وعن المسؤولية وعن حقيقة بسيطة تعلمناها متأخرين