مليونير راح يستلم فستان بنته وسمع دندنة طفلة من وراء باب مقفول!
المحتويات
إلى الغرفة الخلفية.
كانت تلك الغرفة عالما آخر مخفيا خلف الرفاهية. بلا نوافذ بلا تهوية. طلاء متقشر ورطوبة عالقة بالجدران ورائحة عفنة تلتصق بالحلق. كان الحر يتصاعد فيها كأن الهواء يغلق. كانت كيارا تكرهها لكنها لا تشتكي. كانت تفضل ذلك الألم على أن تكون مشكلة لأمها.
في تلك الأمسية وصل طلب رودريغو الخاص. فستان مطابق تماما بتفاصيل صعبة. الخياطات غادرن. تبادلت كاميلا وتيريزا نظرة عرفت كل واحدة فيهما معناها.
لديك حتى الليل أمرت كاميلا وهي ترمي القماش على الطاولة الصغيرة. إن لم يكن مثاليا فلا عشاء.
أومأت كيارا بصمت وبدأت تخيط بمهارة لا ينبغي أن تكون لطفلة. ولئلا تبكي ولئلا تفكر في الحر راحت تدندن بخفوت أغنية برنامج مملكة النجوم. كانت تلك الأنشودة مهربها وبابها السري إلى عالم لا تكون فيه الفتيات سوى فتيات.
بعد ساعات وصل رودريغو وإيفيلين إلى البوتيك. كان الاستقبال يلمع بضوء ذهبي وتفوح منه رائحة القهوة والعطر. استقبلتهما كاميلا وتيريزا بلباقة مبالغ فيها تلك التي يولدها الخوف من خسارة زبون مهم.
سيد مونتينيغرو يا له من شرف قالت تيريزا. الفستان شبه جاهز. بقيت بعض اللمسات الأخيرة.
أجلسوهما على أريكة مخملية. بدأت إيفيلين تفقد صبرها تنظر إلى الدمى كأنها تماثيل مملة.
أبي
حاول رودريغو الحفاظ على هدوئه. عندها حدث الأمر.
شق الهواء صوت خافت بالكاد يسمع في البداية دندنة طفولية عذبة حزينة. تجمدت إيفيلين كأن أحدا أطفأ العالم.
أبي هذه أغنيتي همست بعاطفة نادرا ما ظهرت فيها. أغنية البرنامج.
أصغى رودريغو. كان الصوت يأتي من الداخل من حيث لا يذهب الزبائن. وللمرة الأولى منذ زمن فكر أن إيفيلين قد تحتاج إلى ذلك طفلة في سنها وصوت قريب.
لنر قال بحذر.
سارا نحو الخلف. ومع كل خطوة تغير البوتيك. اختفى الضوء الدافئ وحلت أنابيب فلورية تومض. حل الأسمنت المتشقق بدل السجاد. وخنق العطر رائحة احتجاز وغبار قديم.
لماذا الرائحة كريهة هكذا يا أبي سألت إيفيلين وهي تسد أنفها.
لم يجب رودريغو. تشدد فكه.
ازدادت الدندنة قوة تقودهما عبر ممر ضيق. في نهايته باب خشبي موارب لكنه مغلق من الخارج بمزلاج. مزلاج وضع ليمنع الخروج.
شعر رودريغو بإنذار في صدره. فتح الباب.
اندفع الحر كضربة. هواء ثقيل راكد صعب التنفس. وتحت مصباح أصفر كانت طفلة منحنية فوق ماكينة خياطة. لم تكن تلعب. كانت تعمل. تتحرك يداها بسرعة آلية. يتصبب العرق على وجهها ويسقط على الدانتيل الأبيض للفستان.
كانت الجدران ملوثة ببقع سوداء من العفن. كأنها وباء.
وقفت إيفيلين
تقدم رودريغو خطوة فاصطدم قدمه بصندوق. سقطت زجاجة بلاستيكية. كان الصوت كافيا لكسر السحر. فزعت الطفلة وغرزت الإبرة في إصبعها. تلون الفستان بنقطة حمراء.
استدارت بذعر تخبئ القماش خلف ظهرها.
أنا آسفة! أوشكت على الانتهاء يا خالتي تيريزا! أقسم! صاحت بصوت مكسور من الخوف.
في تلك اللحظة بدأ كل شيء يتغير.
لم يكن قصر مونتينيغرو قد عرف النوم تلك الليلة.
ليس لأن الأضواء كانت مشتعلة بل لأن الجدران نفسها بدت كأنها تستيقظ على حقيقة تأخرت طويلا. حين أغلقت أبواب السيارة خلف جوليا وكيارا لم يكن الدخول مجرد انتقال من مكان إلى آخر بل عبور حد لم يكن ينبغي تجاوزه من قبل.
خطت كيارا أولى خطواتها على أرضية الرخام اللامعة بحذر كمن يخشى أن يترك أثرا لا يحق له. كان السقف أعلى مما اعتادت والهواء أنقى والصمت مختلفا صمت لا يحمل تهديدا بل ترقبا. أمسكت بيد أمها بقوة لا لأنها خائفة بل لأنها لا تصدق أن أحدا لم يصرخ فيها كي لا تلمس شيئا.
إيفيلين كانت تراقبها من طرف عينها. للمرة الأولى لم تشعر أنها صاحبة المكان وحدها. كان هناك شعور غريب شيء بين الفضول والارتباك. هذه الطفلة التي خرجت من غرفة خانقة خلف بوتيك لامع دخلت الآن غرفتها عالمها لعبها.
هذه غرفتي قالت إيفيلين بعد تردد
رفعت كيارا عينيها بدهشة.
حقا
نعم أجابت إيفيلين ثم أشاحت بوجهها قليلا. أعني مؤقتا.
ابتسمت جوليا لذلك التردد. كانت تعرفه. ذلك النوع من الأطفال الذين لم يتعلموا المشاركة لأنهم لم يحتاجوا إليها لا لأنهم أنانيون بل لأن العالم لم يطلب منهم ذلك من قبل.
في الطابق السفلي كانت دايانا تجلس مستقيمة على الأريكة ساق فوق الأخرى وملامحها متحجرة. لم يكن الغضب هو المسيطر عليها بل شيء أخطر الإحساس بأن سيطرتها تنتزع منها أمام عينيها.
رودريغو قالت ببطء. أنت اتخذت قرارا يغير شكل البيت من دون أن تناقشني.
خلع رودريغو سترته ووضعها جانبا. بدا متعبا لكن صوته كان ثابتا.
لأن بعض القرارات لا تناقش. تتخذ.
أنت تحضر امرأة غريبة وطفلتها إلى هنا وتطلب مني أن أتعامل مع الأمر كأنه طبيعي
غير الطبيعي يا دايانا هو ما رأيته الليلة. الغرفة. الطفلة. المزلاج.
سكتت لحظة. لم تكن دايانا جاهلة بالقسوة لكنها لم ترها عارية من قبل. كانت تفضلها مغلفة بالألقاب مخفية خلف واجهات أنيقة.
هذه ليست مسؤوليتنا قالت أخيرا.
بل هي رد رودريغو. لأننا نملك القدرة على التغيير واخترنا طويلا ألا نفعل.
تدخلت جوليا بصوت منخفض مرتبك لكنه صادق.
سيدتي
متابعة القراءة