قالت أمي أنتِ بلا مستقبل! فرفعتُ هاتفي وفتحتُ المحكمة أمامهم!

لمحة نيوز

كانت غرفة الطعام في قصر آل نادر تشبه متحفا مغلقا على نفسه لا يدخله الهواء إلا مصفى بطبقة سميكة من المال القديم والوجوه التي تعودت ألا تحاسب.
ثريا ضخمة من الكريستال الموروث تتدلى فوق طاولة ماهوغني ثقيلة تلقي ضوءا أبيض قاسيا لا يشبه ضوء البيوت بل أقرب إلى إضاءة غرف التحقيق. كل شيء في المكان كان يصرخ نحن هنا منذ زمن وسنبقى.
جلست في مقعدي المعتاد المقعد القريب من الطرف حيث لا أحد يلتفت كثيرا ولا أحد يتوقع شيئا.
كان العشاء هو عشاء الأحد الإجباري طقس عائلي في الظاهر ومحكمة عرفية في الباطن.
كل أسبوع نفس القاعدة
أنا المتهمة وهم هيئة المحلفين والحكم معروف سلفا.
قالت أمي نوال نادر دون أن ترفع عينيها عن طبقها
ناولي الملح يا ليلى.
مددت يدي بهدوء.
وقبل أن أصل للملاحة أضافت بنفس النبرة الناعمة الحادة
وخلي بالك إنت دايما بتبقي مهزوزة لما تتوتري. فاكرة لما مقدرتيش تستحملي ضغط سنة واحدة في كلية الحقوق.
كان صوتها مهذبا لكنه مشحون باحتقار قديم مدروس متقن.
نوال لم تكن تصرخ لم تكن تحتاج.
ناولتها الملح.
يدي لم ترتعش.
لم أعد أرتعش منذ زمن.
تحت سترتي الرمادية البسيطة كانت تستقر سلسلة ذهبية ثقيلة على عظمة الترقوة.
وفي نهايتهامخفيا عن أنظارهمخاتم صغير يحمل ختم المحكمة الفيدرالية.
رمز لحياة كاملة لا يعرفون عنها شيئا ولن يعرفوا.
قلت بهدوء
أنا كويسة يا ماما.
ضحكت رنا أختي الصغرى ضحكة قصيرة محسوبة وهي تدير كأس نبيذ معتق

بين أصابعها.
كانت تجلس عن يميني مشعة بثقة الابنة الذهبية.
شعرها مصفف فستانها مثالي وكل تفصيلة فيها تقول أنا المشروع الناجح.
قالت وهي تمسحني بنظرة من أعلى لأسفل
كويسة إنت شغالة في عيادة قانونية للفقراء يا ليلى. يعني سكرتيرة بشهادة. بتملي ورق إعانات لناس مش لاقية تاكل. بصراحة ده محرج للعيلة.
ابتسمت ابتسامة صغيرة داخلية.
كانوا فعلا يصدقون هذا.
تابعت رنا بسم
أقل حاجة إن بابا وماما سايبينك تركني العربية المتهالكة في الممر. دي حتى بتقلل قيمة الفيلا.
ارتشفت رشفة ماء ببطء.
لو عرفوا أن العيادة هي مبنى المحكمة الفيدرالية نفسه
ولو عرفوا أن الورق اللي بوقعه بيحدد مصير شركات بملايين ورؤوس عصابات وسياسيين كبار
لكنهم لا يعرفون.
ولن يعرفوا.
أبي حسام نادر قال وهو يقطع شريحة اللحم
إحنا بس خايفين عليك. عايزينلك مستقبل واضح زي أختك.
رفعت عيني بهدوء
عندي مستقبل.
تنهدت أمي ومسحت فمها بمنديل حريري
نشوف. بس يا ريت ما تبقيش عبء على رنا لما تبقى هي اللي بتدير المدينة.
انتهى العشاء كما ينتهي دائما
أنا زائدة عن المشهد.
قمت تلقائيا لأجمع الأطباق لكن أمي لوحت بيدها
سيبيهم. روحي يا ليلى. الطاقة السلبية بتاعتك مفسدة طعم النبيذ.
خرجت من باب القصر الأمامي.
الرخام تحت قدمي كان باردا مصقولا لدرجة انعكاس الضوء.
مددت يدي ناحية خطاف المفاتيح.
لا شيء.
تجمد شيء بارد في عمودي الفقري.
نظرت من خلال الزجاج الجانبي
سيارتي السوداء لم
تكن في مكانها.
وفي اللحظة التالية اخترق الليل صوت محرك يصرخ.
صوت غير مستقر مذعور.
اندفعت على درجات السلم الحجري وفي نفس اللحظة ظهرت أضواء سيارتي وهي تتأرجح بعشوائية في الممر تقطع ظلال الأشجار القديمة كأنها ومضات جنونية.
المحرك يسعل.
صوت ارتطام ثم صمت مفاجئ.
توقفت السيارة على بعد سنتيمترات من باب المرآب.
انفتح باب السائق بقوة.
وترنحت رنا خارجة.
فستانها اللامع ممزق عند الكتف.
شعرها الأشقر منكوش.
ورائحة الكحول والخوف.
لكنني لم أكن أنظر إليها.
كنت أنظر إلى السيارة.
الشبكة الأمامية محطمة.
الغطاء منبعج كعلبة معدنية.
وعلى الأرض بقعة داكنة لزجة.
دم.
لا يزال دافئا.
صرخت رنا وهي تترنح
ماقصدتش! هو طلع فجأة! كان على عجلة! سمعت الصوت بس!.
خرجت أمي وأبي مسرعين.
تجمدت أمي عند المشهد.
مات
صرخت رنا
مش عارفة! ماوقفتش! ماينفعش أقف! عندي ترقية! لو اسمي دخل في محضرأنا ضعت!.
لم تتحرك أمي ناحية الطريق.
لم تطلب إسعافا.
نظرت إلي.
أمسكت بكتفي بقوة
ليلى لازم تعملي كده. تنقذي أختك.
قلت بصوت منخفض
أعمل إيه.
همست
قولي إنك إنت اللي سايقة. إنت فاشلة أصلا. محدش هيستغرب. يوم في القسم وخلاص. رنا مستقبلها كله هيضيع.
نظرت لها.
وفهمت.
لم يكونوا لا يحبونني فقط
كانوا قرروا إن حياتي أقل وزنا.
قالت رنا وهي تضحك ببرود
أمي معاها حق. إنت أصلا شكلك مجرمة.
في تلك اللحظة
ماتت الابنة داخلي.
وتكون شيء آخر.
أبعدت يد أمي عن كتفي.
تنفست بعمق.

واستقمت.
قلت بهدوء غريب
تمام.
نظروا لي بارتياح.
لكنهم لم يعرفوا
سكن الليل حول القصر كأنه يحبس أنفاسه لكن داخلي كان في ضجيج لم أسمعه من قبل.
الدم على الإسفلت لم يكن مجرد أثر حادث كان حدا فاصلا.
ما بعده ليس كما قبله.
وقفت أمامهم وأنا أشعر لأول مرة أنني لا أنتمي لهذه العائلة ولا لهذا المكان ولا حتى للنسخة القديمة من نفسي.
قالت أمي نوال بصوت مرتجف لكنه حاسم
اقعدي مكان السواق. بس كده. نكلم الإسعاف ونقول إنك خرجتي من البيت متأخرة كنت متوترة خبطتيه واتلخبطتي.
أضاف أبي بسرعة
وإحنا نتصرف في الباقي. المحامي بتاعنا صاحي دلوقتي. الموضوع يتحل.
نظرت إليهم.
يتحدثون عن إنسان ممدد في الشارع كأنه كسر في زجاج.
قلت بهدوء
ورنا.
ردت رنا وهي تمسح دموعا مصطنعة
إيه.
إنت كنتي سكرانة.
لفت وشها بضيق
يعني آه. طبيعي. كل الناس بتشرب.
قلت ببرود
قد إيه.
مش فاكرة أربع خمس كاسات.
وأخدتي اختصار منين.
من شارع الجامعة الرابع مع الرئيسي.
كنت أتكلم لكن عقلي كان في مكان آخر.
في المرآة الجانبية للسيارة كانت هناك عدسة صغيرة لا ترى إلا لمن يعرف أين ينظر.
سيارة حكومية.
مركبة قضائية.
كل شيء يسجل.
قلت
كملي.
زفرت رنا بعصبية
هو كان طالع بالعجلة فجأة. خبطته. حسيت بحاجة طريت على الكبوت. خفت. دوست بنزين.
سألتها
نزلتي تشوفيه.
ردت بلا مبالاة
إنت مجنونة! كان في دم. حذائي جديد.
ساد صمت ثقيل.
حتى أبي أنزل عينيه.
قالت أمي بحدة
ليلى بلاش التفاصيل.
اعملي اللي اتفقنا عليه.
نظرت لها.
وتذكرت كل مرة وقفت فيها وحدي.
كل مرة سحقت فيها باسم العيلة.
قلت
يعني إنت عايزاني أقول إني كنت سايقة عربية تحت
تم نسخ الرابط