خادمة فقيرة تدخل قصر رجل ثري… فتخرج متهمة بسرقة لم ترتكبها
التي اختفت
لم تفهم في البداية.
ثم أدركت المعنى وشعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
أنكرت وبكت وحلفت أنها لم تمس شيئا لا يخصها. حاولت أن تشرح أن تدافع عن نفسها لكن كلماته كانت أسرع من دموعها.
اتهمها دون دليل.
وحكم عليها دون سماع.
خرجت من القصر مطرودة تحمل معها حقيبة صغيرة وقلبا مثقلا بالخذلان. لم يكن الألم في فقدان العمل وحده بل في الاتهام الذي لوث سمعتها وكسر شيئا بداخلها لن يلتئم بسهولة.
تركت خلفها القصر شامخا كما كان لم يتصدع جدار ولم ينكسر زجاج.
لكن داخل تلك الجدران كانت الحقيقة تستعد للظهور ولو بعد حين.
لم يعرف الرجل النوم تلك الليلة.
كان القصر هادئا على غير عادته أو لعل الهدوء هو ذاته لكن ضجيج الأفكار في رأسه كان أعلى من أي صوت. جلس في مكتبه الواسع يتفقد أوراقا قديمة لا بحثا عن شيء محدد بل هربا من شعور غامض بالانزعاج لم يعرف له سببا واضحا.
كان الاتهام قد صدر والطرد
ومع ذلك لم يشعر بالراحة التي توقعها.
نهض من مقعده وأخذ يتجول في الغرفة. توقفت عيناه عند الجدار الخشبي القديم ذاك الذي لم يلمسه منذ سنوات طويلة. اقترب منه دون وعي وكأن شيئا ما يدعوه. مد يده وضغط على إحدى الزوايا فانبعث صوت ارتطام خفيف.
تجمد مكانه.
أعاد المحاولة مرة أخرى فانفتح جزء من الجدار ببطء كاشفا عن تجويف مخفي.
انحنى الرجل وأدخل يده ليخرج صندوقا صغيرا مغطى بالغبار.
فتح الصندوق
فتجمدت أنفاسه.
كانت المقتنيات الثمينة كلها هناك.
لم ينقص منها شيء.
لم تمس.
شعر وكأن ضربة قوية أصابت صدره.
جلس على الأرض غير مصدق لما تراه عيناه. تداخلت الصور في رأسه دموعها صوتها المرتجف قسمها الصادق نظرتها المكسورة وهي تطرد بلا رحمة.
همس بصوت مبحوح
لقد ظلمتها
في تلك اللحظة لم تعد الثروة تعني له شيئا.
لم يعد القصر قصرا بل شاهدا صامتا على قسوته.
مع أول ضوء للصباح لم يتردد.
سأل عنها الجيران.
ترددوا قليلا ثم قالت امرأة مسنة بصوت حزين
البنت تعبت قوي الحمى ما سابتهاش. راحت المستشفى من أسبوع.
لم يسمع باقي الكلمات.
استدار مسرعا وكأن الزمن يطارده.
في المستشفى كان المكان بسيطا مزدحما يفتقر لأبسط مظاهر الرفاهية التي اعتادها. سأل عنها حتى دل على غرفتها. وقف أمام الباب لحظة وكأن قدميه ترفضان الدخول.
ثم فتحه.
كانت مستلقية على سرير أبيض بسيط وجهها شاحب لكن ملامحها هادئة على نحو غريب كأن الألم لم يستطع أن يسرق نقاءها. اقترب منها ببطء وجلس إلى جوارها.
نطق اسمها بصوت خافت ففتحت عينيها بصعوبة.
نظرت إليه ولم يظهر على وجهها خوف ولا غضب فقط دهشة صامتة.
قال وهو يكاد ينهار
سامحيني أنا ظلمتك. ما صدقتكش وما دورتش على الحقيقة.
انهمرت دموعه واهتز صوته بينما بقيت هي صامتة لحظة ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة.
قالت بصوت ضعيف لكنه ثابت
اللي بينه وبين ربنا نضيف ما يخافش من ظلم الناس يا بيه.
كانت كلماتها أبسط من أن تكون خطبة وأقوى من أي عتاب. شعر الرجل حينها أنه أصغر مما ظن نفسه يوما.
أمسك بيدها ووعدها أن يعوضها عن كل ما فاتها وأن يصلح ما أفسده قدر استطاعته. لم تطلب شيئا ولم تساوم. اكتفت بأن تغمض عينيها وكأنها أبرأت ذمته أمام ضميرها.
مرت الأيام وتعافت الخادمة تدريجيا لكن شيئا في الرجل كان قد تغير إلى الأبد.
لم يعد ينظر إلى الناس من عل ولم يعد يتعجل الحكم ولم يسمح للشك أن يقوده دون دليل.
أعاد ترتيب حياته كما أعاد ترتيب قصره لكن هذه المرة بدأ من الداخل.
وكان كلما سئل عن سر هذا التغيير قال بهدوء
الثروة الحقيقية مش في الذهب اللي تخبيه
الثروة في قلب ما يظلمش
وفي حق يمكن يتأخر
بس عمره ما يضيع.
وهكذا بقي
لكن داخله
لم يعد كما كان أبدا.