أمّه أهانتني قدّام الكل… وهو أذلّ ابني وأنا قررت أخلّي الحقيقة تتكلم!
كان المطبخ تفوح فيه رائحة الكراث المحترق وتختلط بها نكهة معدنية لاذعة اسمها الإهانة. وقفت عند الجزيرة الرخامية يداي مشبوكتان أمامي ورأسي مطأطأ في هيئة هزيمة متقنة الصنع. لأي ناظر للجيران ولمندوب التوصيل وبالأخص للشخصين الجالسين في مطبخي تلك اللحظة كنت إليانور فانس امرأة في الثانية والسبعين واهنة كثيرة النسيان ومعتمدة كليا على إحسان مشكوك فيه من صهري. كانت سترتي مزررة على نحو خاطئ عن قصد وكانت نظارتي مائلة قليلا بتكتيك حتى الارتجافة الخفيفة في يدي اليسرى كانت كذبة مخططة قطعة مسرح قدمتها طوال ثلاث سنوات كاملة.
كانت ليديا أم مارك واقفة فوق رأسي. امرأة ترتدي قسوتها كما ترتدي لآلئها ثقيلة متكلفة وزائفة. كانت تعيش لتلك اللحظات التي تمارس فيها سلطتها على من تراهم أدنى وفي نظرها كنت أدنى الجميع. قالت بازدراء هذا علف للخنازير. نظفيه يا إليانور. وكان لصوتها خشخشة أوراق يابسة على شاهد قبر. وبحركة عابرة من معصمها أمالت الوعاء الخزفي المملوء بحساء الكراث الساخن.
تناثر السائل على أرضية الخشب الصلب وتشربته نعالي الصوفية. كانت الحرارة حادة على وشك أن تكون مؤلمة لكن الألم بالنسبة لامرأة مثلي ليس إلا معلومة. سجلته حرق حراري درجة أولى القدم اليسرى وأودعته في زاوية من ذهني تبقى
لم يرفع مارك رأسه عن هاتفه. كان يجلس على رأس الطاولة كإقطاعي متعجرف ينكش أسنانه بعد وجبة لم يتعب في كسبها. قال بلا اكتراث بصراحة يا إليانور لولا أنك أم سارة لكنت أودعتك دار رعاية منذ أشهر. أنت عديمة الفائدة. لا تطهين لا تنظفين ولا تتذكرين حتى جدول عمل ابنتك. أنت مجرد استنزاف لمواردي. قلت وأنا أحدق في بركة الحساء أحاول يا مارك حقا أحاول.
لكن بينما كان فمي ينطق بكلمات امرأة عجوز خائفة كان عقلي العقل الذي صيغ في نيران الاستخبارات العسكرية السرية يجري تقييما تكتيكيا باردا ومنهجيا للمكان. الهدف واحد مارك. جالس وضعيته متغطرسة وغير محروسة اليد اليمنى هي المسيطرة وهي الآن مشغولة بالهاتف مستوى التهديد منخفض جسديا مرتفع نفسيا. الهدف اثنان ليديا. واقفة مركز الثقل مرتفع بسبب الكعب معاصم ضعيفة مؤشرات التهاب مفاصل مبكر مستوى التهديد ضئيل. الأصل ليو حفيدي ثلاث سنوات جالس في كرسيه المرتفع يبدو مذعورا الحالة هشة أولوية قصوى. المخارج باب الفناء مغلق الممر المؤدي للباب الأمامي سالك حامل سكاكين المطبخ
أمضيت عشرين عاما في زوايا العالم المظلمة. كسرت متمردين في الفلوجة وفككت خلايا إرهابية في هامبورغ. كنت أعرف كيف أستخرج المعلومة من رجال تدربوا على الموت قبل الكلام. هذان لم يكونا خطرين. كانا صغيرين فقط.
هست ليديا وهي تنحني حتى شممت نبيذ الشاردونيه الفاخر وتعفن شخصيتها في أنفاسها توقفي عن البكاء ونظفي أسرع. إن سكبت قطرة أخرى من عجزك سأجعلك تتناولين وجبتك القادمة من هذه الأرض مثل الكلب الذي أنت عليه. رفعت بصري إليها من خلف عدساتي الثنائية السميكة المشوهة ومنحتها ابتسامة خرفاء فارغة. نعم يا ليديا. بالطبع.
أنزلت نظري إلى الأرض لكن عيني لم تكونا تحدقان في الحساء بعد الآن بل كانتا مثبتتين على العلبة الزرقاء الصغيرة من البسكويت التي كان مارك يمد يده إليها العلبة التي وضعت عليها عمدا علامة X حمراء. فتح مارك العلبة بطنين جشع. انتشرت رائحة الفول السوداني المحمص في الهواء رائحة تعني عند معظم الناس الراحة والطفولة لكنها عند ليو كانت رائحة اختناق يقترب.
كان ليو يعاني حساسية شديدة مميتة من الفول السوداني. حتى الجزيئات المحمولة في الهواء داخل مكان مغلق كانت تكفي لتجعل صدره يصفر أما الابتلاع فحكم إعدام دون تدخل طبي فوري. أمضينا ثلاث سنوات ننظف عالمه
قاطعني بحدة اصمتي يا إليانور. اشتعل غروره عند أدنى تصحيح. أخرج بسكويتة سميكة مغمورة بالزبدة مرصعة بحبات مطحونة. سئمت هذا التدليل. سارة تدلله وأنت تدللينه. ليو لا يأكل هذا ليو لا يتنفس ذاك. هذا مثير للشفقة. هذا ضعف. اقترب من كرسي الطفل. انكمش ليو إلى الخلف وأمسك بيديه الصغيرتين بحافة الصينية البلاستيكية حتى ابيضت مفاصله.
قال ليو بصوت صغير مرتعش لا يا أبي حاك حلقي يحك. قال مارك بنبرة ساخرة تعليمية يستعملها حين يريد أن يتفوق على طفل كله في رأسك يا بني. الحساسية ذهنية. وفي هذا البيت لا نمارس الضعف. نقهره. علاج بالتعرض. هكذا يعمل العالم الحقيقي. تقسية الهدف.
تقدمت خطوة وبدأت وضعيتي الواهنة تستقيم لا إراديا. مارك أرجوك. هذا ليس طبا. ستقتله. ضحكت ليديا ضحكة يابسة متكسرة كتكسر العظام. اسمع لها يا مارك. فجأة المرأة التي نسيت عيد ميلادها صارت طبيبة. لا تتذكر أن تضع الملح في الحساء لكنها تحاضر عليك في التربية. دع الرجل يقود ابنه يا إليانور.
ابتسم مارك باستخفاف وهو ينحني نحو الطفل المرتعب. افتح فمك يا ليو. كن رجلا. أثبت أن أمك مخطئة. ودس قطعة من البسكويت في فم الطفل.