سخر خمسةُ راكبي درّاجاتٍ ناريةٍ أقوياء من محاربٍ قديمٍ في التسعين من عمره… وبعد ثوانٍ اهتزّت الأرض بزئير المحرّكات

لمحة نيوز

فعله أنه قال إنه أنت 
ومع ذلك شعر غابرييل في تلك اللحظة بأن شيئا ثقيلا ظل جاثما على صدره سنوات طويلة قد تحرك أخيرا لا ليختفي بل ليأخذ شكله الحقيقي 
في الأسبوع نفسه اتصل غابرييل بالمحامي 
لم يكن صوته مرتفعا ولم يتكلف الحزم قالها كما يقول الإنسان أمرا بديهيا تأخر كثيرا 
لا نقل ماتياس سيبقى معي 
ساد صمت قصير في الطرف الآخر
من الخط صمت اعتاده غابرييل في عالم الصفقات الكبرى لكنه هذه المرة لم يكن تفاوضا ولا حسابات ربح وخسارة كان صمتا يحاول أن يفهم قرارا لا يقاس بالأرقام 
هل أنت متأكد سيدي
نعم 
وأغلق الخط قبل أن يمنح القرار فرصة للتراجع 
لم يكن الطريق بعدها سهلا ولا سريعا ولا نظيفا كما اعتاد غابرييل أن تكون حياته كانت هناك ملفات تفتح وأخرى تراجع أسئلة تطرح وتواريخ تنبش من جديد كان عليه أن يوقع وأن يشرح وأن يثبت للمرة الأولى في حياته أن قلبه قادر على الالتزام لا فقط على السيطرة 
كان ماتياس يراقب كل ذلك من بعيد 
لم يسأل لم يبد حماسا لم يفرح علنا كان يجلس في الزاوية نفسها من غرفة المعيشة يحمل دفتر رسمه ويمعن النظر في
وجه

غابرييل بين الحين والآخر كمن يتوقع أن يختفي كل شيء فجأة كما اختفى من قبل 
في الليالي الأولى لم يكن ينام إلا بعد أن يتأكد أن باب غرفته لم يغلق بإحكام كان يتركه مواربا مسافة تكفي لمرور الضوء أو للهرب 
وكان غابرييل يلاحظ 
في البداية لم يقل شيئا ثم في ليلة هادئة مر من أمام الغرفة وتوقف وعاد خطوتين إلى الخلف طرق الباب طرقا خفيفا ثم دفعه قليلا 
يمكنك أن تتركه مفتوحا إن أردت قال بهدوء 
رفع ماتياس عينيه ببطء وكأنه لم يتوقع أن يسمح له بذلك 
حقا
حقا 
تلك الليلة نام ماتياس للمرة الأولى دون أن يحتضن الصورة بقوة وضعها إلى جواره فقط 
بدأت التفاصيل الصغيرة تتغير 
في

الصباحات صار يجلس على الطاولة بدل أن يقف على الهامش لم يعد ينتظر الإذن ليشرب الماء صار يسأل بصوت خاڤت إن كان يستطيع الخروج إلى الحديقة وفي كل مرة يسمع نعم كان يهز رأسه كما لو أنه لا يزال يتدرب على تصديقها 
أما غابرييل فقد اكتشف شيئا لم يكن مستعدا له أن الأبوة لا تأتي على هيئة شعور جارف كما في الأفلام بل على شكل خوف يومي عميق خوف من الخطأ من القسۏة غير المقصودة من
الصمت في اللحظة الخطأ 
كان يقف أحيانا خلف باب غرفة ماتياس يسمع أنفاسه المنتظمة ويتساءل 
هل أفعل
الصواب
هل أنا الرجل الذي كانت كاميلا تؤمن به
وفي إحدى الأمسيات وجد ماتياس جالسا على الأرض في الممر يرسم بالقلم الړصاص خطوطا غير متناسقة 
ماذا ترسم سأل غابرييل 
تردد الصبي ثم قال 
بيتا لكنني لا أعرف كيف أجعله ثابتا 
جلس غابرييل إلى جواره على الأرض نفسها دون أن يهتم ببدلته أو ببرودة الرخام 
البيوت لا تكون ثابتة من أول مرة قال نعيد رسمها حتى نجد الشكل الذي لا يسقط 
نظر ماتياس إليه طويلا ثم أضاف نافذة جديدة إلى الرسم 
مرت الأسابيع ثم الشهور 
تعود البيت على صوت خطوات صغيرة تعود على فوضى خفيفة على كتب تترك مفتوحة على أحذية لا تصف دائما في مكانها الصحيح وتعلم غابرييل ببطء شديد أن الكمال ليس شرطا للحب 
في يوم ما عاد إلى البيت متعبا مثقل الرأس وجد ماتياس جالسا على الأريكة يقرأ بصوت منخفض 
توقف عند الباب يستمع 
كان الصبي يقرأ رسالة قديمة بخط كاميلا 
لم يقاطعه 
وعندما انتهى ماتياس رفع عينيه وقال 
كانت
تحبك 
لم يجب غابرييل فورا جلس وأغمض عينيه للحظة 
وأنا لم أكن أعرف كيف أكون حاضرا قال أخيرا 
هز ماتياس رأسه 
أنا أيضا أتعلم 
في يوم توقيع الوثيقة الأخيرة كان الجو غائما جلس غابرييل إلى الطاولة ووقع اسمه بهدوء لم يعرفه من قبل لم يشعر بالانتصار ولا بالراحة الكاملة شعر فقط بثقل صادق ثقل المسؤولية التي لا يمكن التخلي عنها 
عندما خرجا وقف ماتياس بجانبه ينظر إلى المبنى ثم إلى يده 
لم يمسكها 
لكنه اقترب خطوة 
وفي الطريق إلى السيارة قال غابرييل 
هل أنت جاهز
لم يكن السؤال عن الأوراق ولا عن المستقبل البعيد 
نظر ماتياس إلى البيت إلى السماء ثم قال 
لا أعرف لكنني لا أريد الرحيل 
ابتسم غابرييل ابتسامة صغيرة غير متقنة 
ولا أنا 
في تلك الليلة علق ماتياس رسمه الجديد على الحائط بيت بنوافذ كثيرة وباب كبير مفتوح 
قال 
هذا البيت لا يغلق 
نظر غابرييل إلى الرسم طويلا ثم قال 
وسيظل كذلك 
وأحيانا هكذا تبدأ الحياة من جديد 
لا بضجيج 
لا بإعلانات 
ولا بوعود مثالية 
بل بخطوة
واحدة لا تتراجع
وبقلب يتعلم متأخرا أن الحب لا يثبت بالقوة
بل بالبقاء

تم نسخ الرابط