تزوّجتُ ابنةَ رجلٍ ثري

لمحة نيوز

قصيرًا بالأمان كلما انهارت نفسيًا.
ومع السنوات بدأ وزنها يزداد بشكل واضح.
أما الناس
فلم يعرفوا شيئًا من الحقيقة.
كل ما رأوه فتاة بدينة ومنطوية تدخل مصحات نفسية أحيانًا وتختفي لفترات طويلة.
وبدأت الإشاعات تنتشر حولها بشكل قاسٍ.
مرة يقولون إنها مجنونة.
ومرة يقولون إنها ناقصة.
وبعضهم كان يلمّح بأنها ليست عذراء أصلًا بسبب العمليات والعلاج والمصحات التي تدخلها.
وفي إحدى المرات
سمعت بنفسها امرأة تهمس في عرس قريب لها
أكيد أبوها يخفي مصيبة.
ثم ضحكت الأخرى قائلة
لو كانت طبيعية لتزوجت منذ زمان.
حبست نفسها بعدها أسبوعًا كاملًا داخل غرفتها.
أما هي
فكانت تسمع كل ذلك وتسكت.
قالت بصوت منخفض
مع الوقت بدأت أصدقهم أنا أيضًا.
ورغم كل شيء
كان والدها يحبها فعلًا.
لكن بطريقة مشوّهة ومؤذية.
كان يحاول علاجها باستمرار.
يجلب لها أطباء نفسيين.
يسافر بها أحيانًا للخارج.
ويغضب بجنون إذا سمع أحدًا يسخر منها.
لكنه في الوقت نفسه
كان السبب الحقيقي في كل ما دمّرها.
ولهذا أصبحت علاقتهما مؤلمة جدًا.
هي لا تستطيع فضحه لأنه أبوها الذي تربّت على حبه وطاعته.
وهو لا يستطيع الاعتراف بما فعله لأنه أقنع نفسه لسنوات أنه فقط أنقذ ابنته.
وعندما اقترب عمرها من الثلاثين
بدأ يخاف أكثر.
ليس لأنها ستبلّغ عنه.
هو يعرف أنها لن تفعل ذلك أبدًا.
بل لأنه رأى الذنب يقتلها ببطء كل يوم أمام عينيه.
وكان يريد تزويجها لرجل محترم يعيدها للحياة قليلًا ويُسكت كلام الناس في الوقت نفسه.
لكنها رفعت عينيها نحوي أخيرًا وقالت
لكنه اختارك أنت تحديدًا لسبب آخر.
شعرتُ بقلبي ينقبض.
كان يعرف من تكون.
سكتت لحظة.
ويعرف أن عائلتك هي العائلة التي خسرت طفلها يوم نجاتي.
اختفى الهواء من الغرفة.
أظنه كان يحاول أن يعوّض شيئًا لا يمكن تعويضه.
ثم أضافت بصوت موجوع
لكن بطريقة أنانية ومشوّهة.
وعندما فهمتُ كل ذلك داخل تلك الغرفة
لم أعرف ماذا أشعر.

كره؟
صدمة؟
شفقة؟
كل شيء اختلط بشكل مرعب.
كنت أريد أن أصرخ في وجهها
وكيف ما زلتِ تحبينه بعد كل هذا؟!
لكنها سبقتني وهي تبكي
كنت أريد أن أخبرك قبل الزواج لكنني كلما رأيت صورة أخيك في بيتكم كنت أجبن.
ثم همست بصوت مرتعش
وخفت أكثر أن تكره أبي أمامي لأنني رغم كل شيء ما زلت أحبه.
تلك الجملة وحدها كانت كافية لتكسر شيئًا داخلي.
لأنها كانت حقيقية بطريقة قاسية جدًا.
هي ليست فتاة شريرة.
ولا امرأة تخطط للانتقام من أبيها.
ولا بطلة ستقف أمام الناس لتفضحه.
هي فقط ابنة كبرت وهي ترى أباها الرجل الذي أنقذ حياتها
ثم اكتشفت متأخرة أن حياتها بُنيت فوق موت طفل آخر.
ومنذ ذلك اليوم
وهي تعيش بين حبٍّ لا تستطيع قتله
وذنبٍ لا تستطيع احتماله.
ظلّت تبكي بصمت، بينما كنتُ عاجزًا حتى عن النظر إليها.
كل شيء داخل رأسي كان مختلطًا بشكل مرعب.
أخي.
أمي.
صورة أخي الصغيرة وهو يركض خلفي في الحارة بضحكته العالية.
السنوات التي عشناها في الفقر.
ونظراتها المرتعبة.
وذلك الرجل الذي أحبّ ابنته لدرجة دمّر بها حياة غيره.
شعرت فجأة أن الغرفة أصبحت أضيق من أن أتنفس داخلها.
وقفت دون أن أقول شيئًا.
رفعت رأسها نحوي بسرعة، وكأنها فهمت ما سأفعله.
وقالت بصوت مكسور
أنا آسفة
لكنني لم أعرف كيف أرد.
لأنني في تلك اللحظة
لم أكن قادرًا على كرهها بالكامل.
ولا قادرًا على مسامحتها.
أخذت معطفي وغادرت الفندق.
وخلفي
بقي صوت بكائها يلاحقني حتى باب المصعد.
عدتُ تلك الليلة إلى بيت أمي.
أما هي
فعادت صباح اليوم التالي إلى بيت والدها.
ومنذ تلك اللحظة
بدأ كل شيء بيننا يتغيّر.
مرّت الأيام بعد ليلة الزفاف ببطء ثقيل، وكأن الوقت نفسه أصبح مترددًا في التحرك.
لا أنا استطعتُ أن أتعامل معها كزوجة طبيعيّة
ولا هي استطاعت أن تنظر إليّ دون ذلك الخوف القديم داخل عينيها.
وفي كل ليلة كنت أحاول إقناع نفسي أنني أكرهها
لكن صورة انهيارها داخل الفندق
لم تكن تفارقني.
كانت تبكي وكأنها تحمل عمرًا كاملًا فوق صدرها.
حتى أمي بدأت تلاحظ تغيّري.
صرتُ أكثر صمتًا.
أعود من العمل وأجلس ساعات دون كلام.
وفي إحدى الليالي سألتني بهدوء
هل ظلمت البنت؟
رفعتُ عيني نحوها، لكنني لم أعرف ماذا أقول.
لأن الحقيقة كانت أعقد من كلمة ظلم.
قلت أخيرًا
لا أعرف يا أمي.
ولأول مرة منذ سنوات
شعرت أنني متعب من الكره نفسه.
مرّ أسبوعان كاملان دون أن أراها.
وخلال تلك الفترة كنت أستيقظ أحيانًا على صورة أخي داخل رأسي دون سبب.
طفل صغير يضحك
ثم يختفي فجأة تحت ملاءة بيضاء داخل مستشفى بارد.
كنت أحاول إقناع نفسي أنني أكرهها.
لكن الكره نفسه بدأ يستنزفني ببطء.
ثم اتصل بي والدها.
صوته كان هادئًا، لكنه لم يحمل تلك القوة التي اعتدت سماعها فيه.
بدا متعبًا بشكل غريب.
قال فقط
هي لا تأكل منذ أيام وأظن أنها تحتاج أن تتحدث معك.
كدت أرفض فورًا.
جزء داخلي كان ما يزال يريد أن يصرخ في وجهه
أنت السبب.
لكن شيئًا آخر داخلي
شيئًا أكثر تعبًا من الغضب
دفعني للذهاب.
وعندما دخلت بيتهم
شعرت لأول مرة أن ذلك القصر ليس مريحًا كما كنت أتخيل دائمًا.
كان واسعًا أكثر من اللازم.
صامتًا أكثر من اللازم.
باردًا بطريقة غريبة.
كأن الحزن يعيش داخله منذ سنوات.
حتى الخدم كانوا يتحركون بهدوء مبالغ فيه
كأن الجميع يخاف إيقاظ شيء ثقيل نائم داخل الجدران.
وجدتها جالسة قرب النافذة.
ترتدي عباءة سوداء واسعة تخفي جسدها بالكامل، وتضم يديها داخلها كأنها تحاول الاختباء من العالم كله.
بدت أضعف بكثير من آخر مرة رأيتها فيها.
وجهها كان شاحبًا بشكل أخافني للحظة.
وعندما رفعت عينيها نحوي
خفضتهما فورًا.
جلستُ أمامها دون مقدمات طويلة.
كنت أعرف أنني لو ترددت
فلن أسأل أبدًا.
ثم قلت مباشرة
أخي مات بسبب العملية فعلًا؟
تجمّد وجهها بالكامل.
ورأيت الرعب يمر داخل عينيها للحظة قصيرة.
وبعد ثوانٍ طويلة
بدأت تبكي بصمت.
قالت
وهي تهز رأسها ببطء
نعم
شعرتُ وقتها وكأن شيئًا انكسر داخلي من جديد.
ورغم أنني كنت أعرف الحقيقة تقريبًا
إلا أن سماعها بصوت واضح كان مختلفًا تمامًا.
كأن الجرح فُتح مرة أخرى أمامي.
أكملت بصوت متقطع
أبوك لم يكن يعرف التفاصيل كاملة في البداية لكنه بدأ يشك بعد فترة.
ثم بدأت تحكي لأول مرة بهدوء حقيقي.
في الليلة التي دخلتُ فيها غرفة العمليات كان أخوك في الطابق نفسه.
شعرتُ ببرودة تضرب ظهري.
أما هي فأكملت وهي ترتجف
حالتي كانت ميؤوسًا منها تقريبًا والأطباء قالوا إنني لن أعيش دون زراعة عاجلة.
سكتت لحظة طويلة.
وفي الليلة نفسها دخل أخوك المستشفى بعد الحادث.
اختفى الصوت من الغرفة.
حتى أنني توقفت عن التنفس للحظة.
قالت وهي تبكي
كان ما يزال حيًا
ثم أغلقت عينيها بقوة وكأنها لا تحتمل الكلمات.
لكن الطبيب المسؤول أخبر والدي أن فرص نجاته ليست كبيرة وأن توافق الأنسجة بيننا نادر بشكل شبه مستحيل.. وإذا تمت العملية ستنعدم فرصة نجاته.
شعرتُ بيدي تنقبضان ببطء.
رفعت عينيها نحوي أخيرًا.
وكان داخلهما رعب قديم لم يمت.
الطبيب هو من اقترح الأمر.
لم أفهم في البداية.
لكنها همست بعدها مباشرة
اقترح أخذ جزء من الكبد قبل إعلان وفاته رسميًا.
شعرتُ بالغثيان فورًا.
ونهضت من مكاني بعنف حتى اصطدمت الطاولة الصغيرة بقدمي.
ماذا؟
خرج صوتي مخنوقًا.
أما هي فبدأت تبكي بشكل أقوى.
أبي وافق
وضعت يدها فوق فمها وهي ترتجف.
كان مرعوبًا من ان يفقدني وكان مستعدًا لفعل أي شيء حتى لا أموت.
شعرتُ أن الغرفة تدور حولي.
أخي
كان ما يزال حيًا.
تلك الفكرة وحدها كانت كافية لتمزيقي من الداخل.
أكملت وهي تبكي
بعدها تم التلاعب بالتقارير وأُعلن موته أسرع مما كان يجب.
لم أعد قادرًا على النظر إليها.
أما هي فأكملت بصوت محطم
والطبيب أخذ أموالًا ضخمة مقابل صمته ثم اختفى بعدها من المستشفى تمامًا.
شعرتُ وقتها أنني أختنق.
لأول مرة
لم أعد أرى
ما حدث مجرد خطأ.
بل جريمة كاملة.
قالت وهي تمسح دموعها المرتجفة
وعندما بدأ أبوك يشك حاول والدي احتواء الأمر بالمال.
ضحكتُ فجأة دون إرادة.
ضحكة قصيرة ومكسورة.
لأنني استطعت تخيّل أبي بوضوح.
رجل بسيط بملابس
تم نسخ الرابط