تزوّجتُ ابنةَ رجلٍ ثري
نبقَ معًا لأن الماضي اختفى فجأة وكأن شيئًا لم يكن.
بل لأننا، بعد كل ذلك الألم، أصبح كل واحدٍ منا يرى جرح الآخر بوضوح لا يمكن الهروب منه.
هي لم تعد بالنسبة لي ابنة الرجل الذي دمّر عائلتي.
وأنا لم أعد بالنسبة لها أخو الطفل الذي مات بسببها.
صرنا شخصين يحمل كلٌّ منهما بقايا كارثة قديمة
ويحاول فقط أن يتنفس بعدها.
علاقتنا لم تتحول إلى قصة حب مثالية كما يحدث في الحكايات.
حتى بعد سنوات
كانت هناك لحظات صمت طويلة بيننا.
لحظات يعود فيها الماضي فجأة دون إنذار.
أحيانًا كنت أستيقظ ليلًا وأتذكر أخي
فأبتعد عنها دون أن أشعر.
وأحيانًا كانت تنظر إلى والدها بصمت بعد الحادث
ثم تبكي وحدها لأنها لا تعرف كيف تحبه وتغفر له في الوقت نفسه.
لكن رغم كل شيء
كان هناك شيء حقيقي ينمو بيننا بهدوء.
شيء يشبه الرحمة.
الرحمة
بعد أن يكتشف الإنسان أن الكره المستمر يدمّر صاحبه أكثر مما يدمّر الآخرين.
ومع مرور الوقت بدأت تتغيّر فعلًا.
لم تعد تختبئ داخل العباءات الواسعة طوال الوقت.
ولم تعد تخاف من نظرات الناس كما كانت.
بدأت تخرج أحيانًا مع أمي إلى السوق.
تساعدها في البيت.
وتضحك معها على أشياء بسيطة جدًا، وكأنها تحاول تعويض عمر كامل ضاع منها وهي خائفة.
حتى أمي
التي ظننت يومًا أنها لن تستطيع النظر إليها
بدأت تراها بطريقة مختلفة.
كانت تقول لي أحيانًا
البنت متعبة يا ابني الدنيا أكلتها وهي حيّة.
أما والدها
فبعد الحادث أصبح أهدأ بكثير.
لم يعد ذلك الرجل الذي يفرض سيطرته على الجميع بصوته ونفوذه.
صار يبدو كرجل عجوز يحمل ذنبًا أكبر منه.
وأظن أنه فهم أخيرًا أن المال يستطيع شراء الصمت أحيانًا
لكنه لا
لم يعترف بما فعله أمام الناس.
ولم تحدث فضائح كبيرة.
لأن فضيحة كهذه كانت ستدمّر الجميع دون أن تعيد طفلًا مات منذ سنوات.
فبقيت الحقيقة محصورة بيننا
ثقيلة
ومؤلمة
لكنها حقيقية.
وفي أحد الأيام، بعد أشهر طويلة من الصمت والتردد، عادت هي إلى بيتنا نهائيًا.
ليس كزوجة جاءت لتبدأ قصة حب.
بل كإنسانة تعبت من الهرب.
وفي تلك الليلة تحديدًا
جلسنا على الشرفة القديمة لبيت أمي.
كانت عمّان هادئة بشكل غريب.
والهواء البارد يحرّك طرف حجابها بصمت.
ثم قالت فجأة
هل تعتقد أننا نستطيع أن نعيش بشكل طبيعي يومًا ما؟
نظرت إليها طويلًا.
ثم قلت
لا أعرف لكن ربما نستطيع أن نعيش بسلام.
ولأول مرة منذ عرفتها
ابتسمت دون خوف.
ابتسامة صغيرة جدًا
لكنها كانت حقيقية.
بعدها بوقت طويل
صرنا نخرج أحيانًا
بعضهم كان ما يزال يهمس عندما يراها.
وبعضهم ينظر إليها بشفقة قديمة.
لكنها لم تعد تنكسر كما كانت.
وكأنها أخيرًا فهمت أن حياتها ليست ملكًا لنظرات الآخرين.
وفي صباح شتوي هادئ
كانت تسير بجانبي في أحد شوارع عمّان القديمة، بعباءتها السوداء الواسعة، بينما الناس يمرّون حولنا بشكل عادي جدًا.
باعة القهوة ينادون بأصوات مرتفعة.
ورائحة الخبز الساخن تملأ المكان.
والمدينة تمضي في حياتها كأنها لا تعرف شيئًا عن كل الألم الذي عشناه.
لا أحد كان يهمس عنها هذه المرة.
لا أحد ينظر إليها كأنها البنت التخينة المعيبة.
مجرد امرأة عادية
تمشي بهدوء بجوار رجل عادي.
وحين نظرت إليها وقتها
أدركت أخيرًا أن بعض العلاقات لا تُبنى على الحب وحده.
أحيانًا تُبنى على النجاة.
على شخصين كسرتْهما الحياة
ثم وجدا نفسيهما يحاولان الوقوف معًا وسط الخراب.
وربما
كان ذلك كافيًا.