رواية ما بعد العداوة (جميع الفصول مكتملة ) بقلم زينب محروس
في وقت صلاة الظهر كانت الأجواء هادئة إلا من صوت الأذان يتردد بين أروقة الحي. اقتربت امرأة أنيقة ممسكة بيد طفل لا يتجاوز الثامنة من عمره. توقفت أمام المسجد وهمست له بلطف أن يدخل لكنه انفجر في البكاء مما جعلها تتراجع قليلا.
لم تكد تخطو بعيدا حتى جاءها صوت رجولي قوي يخترق السكون
"اقفي مكانك يا ست!"
التفتت بدهشة وأشارت لنفسها
"بتكلمني أنا"
رد بإشارة غاضبة نحو الطفل
"مش سامعة صوت ابنك اللي بيعيط!"
هزت رأسها برفض وقالت باستنكار
"لأ مش ابني والله معرفوش."
الراجل اللي نادى عروقه نافرة من الغضب وبشرته البيضاء احمرت وهو بيقول بغضب مكبوت
"من حظه السيئ إنك أمه اللي زيك ما تستاهلش كلمة أم أصلا."
الست وهي بتكتم غيظها رفعت حاجبها وقالت بسخرية
"حيلك حيلك يا أستاذ بالراحة على عضلاتك شوية. قلتلك مش ابني فلو قلت كلمة زيادة هتزعل مني وأنا بقى بحب أزعل الناس اللي معرفهاش!"
ابتسم الراجل بسخرية وقال
"أنا يعني كنت مستني إيه من واحدة جاية ترمي ابنها وتخلع حسبي الله ونعم الوكيل!"
الصدمة نطقت من ملامحها وهي تقول بانفعال
"يا لهوي! هو أنت عبيط ولا مش بتفهم! أقولك خليك كده في عبطك وعقدك النفسية."
قبل ما تمشي الولد فجأة ساب إيده وجري ناحية سيدة منتقبة خارجة من المسجد بينادي عليها بصوت مبحوح "ماما!"
الست ضربت الراجل على دراعه بشنطتها وقالت بسخرية حادة
"أهو راح لأمه يا حيوان!"
وسابته ومشت وهو واقف متجمد عينه بتتنقل بين الطفل وأمه وبين الست اللي كانت لابسة فستان صيفي قصير ضهره مكشوف لنصه وشعرها الأشقر مربوط جديلة ناعمة نازلة لحد نص ضهرها.
بعد ساعات نزل الراجل سويلم من تاكسي قدام مركز البحوث العلمية. وقف قدام مكتب معين وخبط الباب تلات
وبعد ثواني سمع صوت داخلي بيأذن له بالدخول.
دخل وكان جواه مكتب مرتب قاعد فيه راجل في الخمسينات شعره أبيض خفيف مركز في ملفات قدامه. أول ما شاف سويلم ابتسم وقال
"اقعد يا سويلم قل لي عملت إيه"
سويلم بنبرة جدية واضحة
"زي ما حضرتك طلبت بالضبط يا دكتور عامر. وساعة كده وهتكون ورقة البحث الأولى عندك."
عامر أومأ برأسه وقال
"تمام تقدر تمشي بعد ما تسلمني الورق."
سويلم كان بيقوم لكن رجله خبطت في برواز صغير على المكتب وقعه بالغلط. لما مسكه عشان يعدله لمحت عينه صورة لست شافها قبل كده رهف. كانت واقفة في الصورة جنب بنت تانية.
سأل وهو بيشاور على الصورة
"مين دي يا دكتور"
عامر ابتسم بحنان وقال
"دي رهف بنتي الصغيرة. واللي معاها دي لمار الكبيرة."
على الجانب الآخر كانت رهف داخلة ڤيلا كبيرة في التجمع. ماشية بتدندن لحد ما شافت شاب في التلاتينات نازل من على السلم. مرتب شعره لورا بشرة قمحية لحية خفيفة. أول ما شافته كشرت وقالت بنبرة هامسة
"يكش تخرج وما ترجعش يا شيخ ونخلص منك بقى."
الشاب أشرف مسك دراعها بقسوة وقال
"افردي وشك ده وتعالي في ضيوف."
شدها من إيدها وهي مجبرة تبتسم ماشية وراه من غير ما تنطق.
في الصالون كان في راجل أعمال كبير في السن وبنته اللي شكلها أكبر من رهف بشوية. سلم عليهم أشرف وقال بتفاخر
"أعرفكم دي مدام رهف مراتي."
رهف ابتسمت وسلمت فالبنت علقت
"ما شاء الله زوجة حضرتك زي القمر."
أشرف بابتسامة عريضة
"دا من ذوقك بس أنا فعلا ساعات بخاف أتحسد عشان معايا زوجة جميلة ورقيقة زي رهف."
بعد ما الضيوف مشيوا طلعت رهف أوضتها عشان تغير هدومها. وقفت قدام المرايا بتفك جديلتها وتعدل في شعرها لحد ما الباب اتفتح فجأة. دخلت أمها بوجه
"أنتي هتفضلي مصدرة الوش الخشب ده لأشرف كتير!"
رهف من غير ما تبص عليها ردت ببرود
"أعمله إيه يعني دا اللي عندي ولو عرفت أصدر له وش حديد هبقى أعملها."
الأم زعقت
"اسمعي يا بت لو ما احترمتيش نفسك أنا اللي هطلب منه ياخدك بالإجبار! كفاية دلع لحد كده! الراجل صابر عليكي بقاله تلات شهور!"
رهف لفت لها وهي عيونها بتلمع سخرية
"مش صعبة عليكي ما أنتي أجبرتيني أتجوزه أصلا وكل ده علشان تكسري لمار! وانتي عارفة كويس إنها كانت بتحبه وعايزاه."
الأم بصوتها المتهكم
"هو اللي طلبك لما شافك! ما حبش ست الحسن لمار وأنا مالي! أنا ما أجبرتوش."
رهف بصوت هادي لكنه فيه مرارة
"صح أنتي ما بتجبريش غيري كلامك يمشي عليا أنا بس. حتى لو هعيش عمري كله حزينة المهم تبقي مبسوطة إنك كسرتي بنت ضرتك
كرهك ليهم مش بيدمر غير حياتي أنا.
ولازم تعرفي لما طاقتي تخلص مش هعملك حساب. فخفي عليا شوية."
كانت مقررة إنها ما تخرجش لكن غيرت رأيها. اختارت فستان سهرة ناعم وحطت مكياچ خفيف فردت شعرها وخرجت من الفيلا من غير ما تقول لأمها ولا لأشرف.
راحت على كافيه على البحر طلبت مشروبين ناوية تخلطهم رغم إنها عارفة إنهم بيزودوا ضربات القلب. كانت بتغامر بحياتها بس ما كانش فارق معاها.
ولما مدت إيدها تشرب إيد تانية سبقتها وسحبت الكوب منها.
صوت رجولي قال
"غلط عليكي يا رهف."
رفعت عيونها ببطء والتقت بعينين واسعة رمشهم خفيف أنف حاد دقن بارزة مزينة بطابع حسن. ابتسمت بنعاس وقالت
"أنت تاني يا أبو عضلات"
رد بصوت هادي وهو بيتأمل ملامحها
"اسمي سويلم."
رهف هزت كتفها وقالت بلا اهتمام
"مش فارقة طيب ممكن أقعد"
ضحكت بسخرية
"نفسي أقولك لأ بس عمري ما قلتها لحد. وصدقني
سويلم حط الكاس على الترابيزة وقال
"لو مش عايزة فأنا مش هقعد."
ردت ببرود
"يبقى امشي."
فعلا مشي وراح على طاولة تانية كان صاحبه مستنيه عليها. قعد يتكلم معاه وكل شوية يبص لها.
هي استغربت أول مرة حد يسمع كلامها فعلا ويمشي.
أول ما شافته وقفت وراحت له. كانت معلقة شنطتها على كتفها وقالت
"ممكن أقعد"
شد لها الكرسي وقال
"طبعا لو حابة تقدري تقعدي."
قعدت وهي بتحط شنطتها بزهق فصاحبه استأذن ومشي.
سويلم سألها بشك
"هو أنتي فيكي حاجة"
هزت راسها وقالت
"لأ أقولك سر"
بفضول قال
"قولي."
قالت وهي بتتكلم بنبرة تعب
"دا بسبب علاج الاكتئاب بحس إني مش مركزة وشوية وهتلاقيني نعسانة."
سويلم بجدية
"وإيه اللي تعبك نفسيا"
ضحكت بسخرية
"قول إيه اللي مش تعبك نفسيا!"
ابتسم وقال
"طيب إيه اللي مش تعبك نفسيا"
أخدت الكاس اللي كان قدامه وشربت منه وبعدين قالت بنظرة غريبة
"مع إنك حيوان مش محترم ودبش بس أنا مرتاحة ليك يا أستاذ سويلم."
ضحك بسخرية وقال
"أستاذ! إيه الكلمة الغريبة دي!"
ردت ببرود
"دمك تقيل على فكرة."
ضحك بخفة وقال
"طيب مش عايزة تحكيلي حاجة"
قبل ما ترد فجأة دوى صوت غضبان في الكافيه
"رهف!!!"
صوت أشرف واقف عند الباب وعيونه نار..
سويلم باهتمام
- حابة تحكيلي حاجة
قبل ما رهف ترد عليه فزعها صوت أشرف اللي نده عليها بغضب
- رهف.
اول ما لفت و شافته افتكرت هي قد ايه بتكرهه فاستجمعت شجاعتها و رسمت قناع البرود تاني و بصت ل سويلم و قالت بسخرية
- اهو دا واحد من ضمن الأسباب.
أشرف شدها من ايدها و هو بيقول بتهكم
- انتي لسه هتتكلمي أنا هوريكي ازاي تخرجي من غير إذني.
مهتمتش بتهديد أشرف ف التفتت لسويلم و هي بتبتسم و شاورت بإيدها
- باي.
اول ما دخلوا البيت كانت أمها واقفة ف زق رهف عليها جامد و هو بيقول
- عقلي بنتك عشان أنا بدأت ازهق و