كنت قاعدة لوحدي في الأوضة والهدوء حوالي تقيل الفستان الملعون بقلم حور حمدان
كنت قاعدة لوحدي في الأوضة، والهدوء حواليّ تقيل كأنه بيخنقني، غير إن عيني ما كانتش سايبة الفستان اللي واقف قصادي على المانيكان. أضواء الكشافات الصغيرة بتتزاحم على كل تفصيلة فيه، تخلي الخرز يلمع زي النجوم، والريش يتراقص مع أي نفس هوا خفيف يدخل من الشباك.
أنا كنت شايفاه تحفة، بس كنت متأكدة إن أول ما حد يشوفه هيبدأ الكلام.. وفعلاً، ما عدّاش وقت طويل لحد ما الموبايل رن بمسج منها.
فتحت الرسالة وأنا قلبي بيدق أسرع، مش عشان خايفة.. لأ، عشان كنت متوقعة الهجوم قبل ما يحصل.
وكان مكتوب فيها:
هو صح الكلام اللي أخويا بيقول عليه دا؟ انتي فعلاً هتلبسي الفستان القذر دا؟
رفعت عيني من على الشاشة للفستان تاني، وبابتسامة صغيرة مليانة ملل كتبت لها:
قذر؟ عامةً أيوه، صح هلبس الفستان دا.. عندك مانع؟
ساعتها وقفت الرسائل عند حدها، وبانت علامتها إنها قرت وما ردتش. الدقايق عدّت تقيلة، وبان إنها كانت بتكتب وتمسح، يمكن بتدور على الكلمات اللي تلسع أكتر.
لحد ما في الآخر وصلتني منها الرسالة التانية:
آه طبعًا عندي موانع، مش مانع واحد
قريت كلامها ببرود، والموبايل في إيدي كأنه ورق لعبة. ابتسمت بسخرية صغيرة، مش عشان عاجبني كلامها، بالعكس.. بس عشان كنت متأكدة إنها فاكرة نفسها وصية عليّ، وإن جملتها دي هتغير قراري.
الفستان قدامي كان بيرد عنها من غير ما أتكلم. كل خرزة فيه، كل تطريزة، كانت بتقول إني اخترت ومش هرجع في كلامي.
أنا كنت عارفة إن المعركة مش مع قماشة ولا ريش.. المعركة معاهم دايمًا بتكون مع حرية اختياري.
الموبايل رن تاني.. بس المرة دي مش منها.
كان رقم غريب، والفضول خلاني أرد من غير ما أفكر.
أيوه، مين؟
صوت راجل جاي من بعيد، هادي لكن في نبرته حاجة مريبة:
اللي بيلبس حاجة زي دي.. بيبقى عارف إن عليه عيون كتير، مش عيون عيلته بس.
أنا اتجمدت في مكاني.
حضرتك مين؟!
ضحك ضحكة قصيرة، بعدها قال:
هتعرفيني قريب.. بس خدي بالك، الفستان دا مش زي ما انتي فاكرة.
وقبل ما ألحق أرد، الخط اتقطع.
بصيت حواليا في الأوضة، قلبي بيدق أسرع
إيه اللي يقصده؟! إيه علاقة الفستان بواحد غريب يتصل بيّ ويقول الكلام دا؟
رجعت ببص للمانيكان، بس المرة دي حسيت كأني أول مرة أشوفه..
الخرز اللامع ما بقاش مجرد زينة، كأنه عيون صغيرة بتراقبني.
والريش اللي بيتحرك بهدوء مع الهوا، اتحول لحاجة مخيفة.. زي ما يكون بيتنفس.
مديت إيدي للموبايل بسرعة عشان أكلمها تاني، يمكن ألاقي عندها تفسير.. لكن قبل ما أكتب أي كلمة، جتني منها رسالة:
أنا حذرتك. الفستان دا..... مش معمول عشان يتلبس.
اتسمرت الكلمة الأخيرة في عيني.. "مش معمول عشان يتلبس".
حسيت ساعتها إن الدنيا كلها اتقفلت عليّ، زي ما يكون جوا الأوضة في حاجة غريبة بدأت تتحرك من غير صوت.
قريت الرسالة أكتر من مرة، وحسيت إني مش فاهمة.. هي تقصد إيه؟! إيه يعني مش معمول عشان يتلبس؟!
إيدي اترجفت وأنا بمسك الموبايل، ولساني اتعقد.
كتبت بسرعة:
انتي تقصدي إيه؟!!
بس قبل ما أضغط إرسال، نور الأوضة واطفى فجأة.
القلب دق بسرعة جنونية، وأنا شايفة الفستان في الضلمة.. لسه واقف على المانيكان.
بس الغريب إن الخرز لسه بينوّر، كأنه
قمت بسرعة عشان أفتح النور من زرار الحيطة..
لكن وأنا بعدّي من جنبه، حسيت صوت خفيف.. كأنه حاجة بتتسحب أو بتتحرك ببطء.
وقفت مكاني.. النفس محبوس في صدري.. وبعدين سمعت الهمسة.
جايالي من ناحية المانيكان.. صوت مش طبيعي، صوت عميق وراخي:
ما تلبسيهوش.. ما تلبسيهوش..
اتجمدت رجليا، ومخي بقى بيلف.
أنا متأكدة إني لو اتجرأت أبص للفستان تاني.. ممكن أشوف حاجة عمري ما هقدر أنساها.
بس الفضول كان أقوى..
لفيت ببطء..
ولقيت إن الفستان مش زي ما كان..
المانيكان فاضي.
الفستان اختفى.
اتسمرت مكاني.. المانيكان فاضي، والفستان اختفى.
قلبي وقع في رجليا، عقلي مش قادر يستوعب.. إزاي حاجة بالحجم دا تختفي قدامي في لحظة؟!
بدأت ألف حواليا في الأوضة، بدور في كل ركن.. تحت السرير، ورا الدولاب، حتى فتحت الشباك أبص برة، يمكن حد يكون دخل وخده!
لكن لا.. كل حاجة في مكانها.
رجعت أقعد على السرير، ودماغي هتنفجر..
الموبايل اترمى جنبي، فجأة نَوَّر لوحده، والشاشة فتحت على الرسالة الأخيرة اللي ما كنتش لحقت أبعتها:
"انتي
لكن اللي صدمني إن الرسالة مبعوتة.. وجايلها رد.
والرد ما كانش منها.