يحكى قديما في مدينة بغداد أن تاجر كبيرا يدعى سالم
ظل يتقلب في فراشه، يستعرض ماضيه كله، يتذكّر كم مرة أكل وحده، وكم مرة احتفل دون قلب، وكم نام خائفًا من خسارة… رغم أنه لم يخسر شيئًا.
وفي الفجر، اتخذ قرارًا غريبًا.
ارتدى عباءة قديمة، وترك قصره متخفيًا، بلا مال، ولا زاد، ولا حتى خاتمه الذهبي. وسار.
مرّ سالم على قرى متفرقة، يرى فيها من الفقر ما لم يره من قبل، لكنه رأى كذلك من الكرم ما لم يتخيّله أبدًا.
في إحدى القرى، استوقفه رجل مسنّ وقال له:
– غريبٌ أنت، لا تحمل شيئًا، ولا تسأل شيئًا، فهل أنت تائه؟
أجابه سالم:
–
ابتسم الرجل وقال:
– تعال… عش معنا الليلة، ولا تسأل عن شيء.
نام سالم في كوخ متهالك، تقاسمه مع الرجل وزوجته. قدّما له رغيفًا يابسًا، فقسماه بين ثلاثتهم، وقال الرجل وهو يمدّ يده:
– البركة في المشاركة، لا في كثرة الزاد.
وفي اليوم التالي، لعب مع أطفال لا يملكون ألعابًا، كانوا يضحكون وهم يرمون الحصى على شجرة، ومن ضحكاتهم امتلأ قلبه فرحًا.
سأله أحد الأطفال:
– عمي، هل أنت غني؟
فرد سالم بعد صمت طويل:
– كنت أظنني غنيًّا… لكنني الآن
في اليوم الثالث، جلس سالم تحت نخلة وحده، وتدفقت دموعه.
لم يبكِ لأنه جاع، ولا لأنه مشى حفاة، بل بكى لأنه أدرك كم كان فقيرًا وهو يتوسّد الذهب.
حين عاد إلى بغداد في اليوم الرابع، لم يعد كما خرج.
فتح أبواب قصره، أزال السور، وألغى الحراس، وأمر بخزائنه أن تكون للعطاء لا للتكديس.
وحين رآه العجوز مجددًا في السوق، قال له وهو يبتسم:
– أرأيت؟ الطمأنينة ليست في أن تحمي ما عندك، بل في أن لا تكون عبدًا له.
رد سالم، ودمعة في عينه:
–
من يومها، لم يُعرف سالم كتاجر، بل صار يُدعى بين الناس: "صاحب القلب المفتوح".
صار مجلسه ملاذًا للغرباء، وبيته مأوى للمحتاجين، وابتسامته دواء للقلق الذي كان يسكن قلبه يومًا.
العبره :
ربما تسكن القصور، أو تتمنى بلوغها، لكن لا تنسَ أن السعادة لا تُخزن في صناديق، ولا تُحرس بالسيوف.
الطمأنينة ليست فيما نملك، بل فيما نمنح.
وليست في القفل والمفتاح، بل في القلب إذا انفتح.
فهل جرّبت يومًا أن تسير في الحياة بلا أقنعة، بلا خوف، بلا
ربما تجد فيها نفسك التي ضاعت وسط الزحام.