هذه القصة قديمة إلى حد يبدو معها أنها نمت مع الزمن مثل جذور شجرة بلوط
هذه القصة قديمة إلى حدّ يبدو معها أنها نمت مع الزمن مثل جذور شجرة بلوطٍ عتيقة.
في يومٍ من الأيام، حكتها لي جدّتنا غاليا — جارتنا الطيبة.
كانت قد جاءت لتستعير قليلاً من الملح، بجِيرةٍ حسنةٍ وروحٍ ودودة.
صادف حينها أنني كنت أطبخ — أخبز فطائر الملفوف التي ملأ عبيرها المنزلي الدافئ أرجاء البيت، وجعل قلبي يشعر بالسكينة والخفة.
دعوتها لتشرب معي الشاي الطازج من الساموفار الذي بدأ لتوّه يُغنّي أغنيته البطيئة الرخية.
لم ترفض، بل جلست بسرورٍ ظاهر على طرف الأريكة الصغيرة وتنهدت بارتياحٍ، كأنها أزاحت عن كتفيها ثقل اليوم كله.
وبينما كانت تتلذذ بفطيرةٍ ساخنةٍ تخرج لتوّها من الفرن وتغسلها برشفةٍ من الشاي العطِر، نظرت إليّ بعينيها الحكيمتين المتعبتين قليلاً وقالت:
“سأحكي لكِ قصة. صدّقيها أو لا، لكنها حدثت لعائلتي — أمام عينيّ. تذكّريها جيداً.”
ثم استقرت في جلستها وبدأت حكايتها الهادئة، بينما أخذ الغسق في الخارج يزداد كثافةً، يصبغ السماء بلونٍ بنفسجيٍّ لطيف.
قالت:
“تعلمين، عندما كنت في السابعة عشرة — في العمر الذي تتفتح فيه الآمال — جاء أحد الأقارب إلى قريتنا الصغيرة الواقعة بين الحقول والغابات. كانت خالته حدّاد القرية، واسمها أليفْتينا.
كانت ملامحها لا تُنسى — بل يمكن القول إنها صارمة. بسيطة، أحدب الظهر قليلاً، ذات أنفٍ طويلٍ حاد — تماماً مثل الساحرة في الحكايات، بابا ياغا.
عندما كان الأطفال يلمحونها كانوا يفرّون خائفين، والكبار يتهامسون خلف ظهرها.
أطلق الناس عليها — حين لا تسمع — لقب “العجوز الشريرة”.
لكن المظاهر خادعة، كما تعلمين.
فخلف ذلك المظهر القاسي كانت روح طيبة نادرة، مفعمة بالرحمة.
كانت تساعد الجميع بصمت — تعالج الأمراض البسيطة، وتعتني بالحيوانات، وتعرف الأعشاب، وتقول كلماتٍ طيبة تخفف الألم.”
وتابعت:
“لكن الشر الحقيقي، والقلب الأظلم من السحابة السوداء، كانت امرأة تُدعى أكولينا تعيش في الطرف الآخر من القرية، في بيتٍ مائلٍ متهالك.
كانت تحمل في صدرها نار غيرةٍ شرسة تجاه الحداد نفسه، لكنها لم تكن تعني له شيئاً، فقد كان يشعر بما يحيط بها من طاقةٍ فاسدة.
كانت تسبب المشاكل دائماً: دجاج الجيران يموت فجأة، اللبن يفسد قبل أوانه، أما القيل والقال فكانت توزعه بسخاء.
الجميع في القرية كانوا يعرفونها ويتجنبونها حتى لا تجلب لهم الأذى.”
ثم قالت الجدة:
“بعد أن جاءت أليفتينا لتعيش مع ابن أختها الحداد، تحسنت أحواله على نحوٍ لم يُرَ مثله من قبل.
تدفقت عليه الطلبات،
كان قلبه منذ زمنٍ طويلٍ مع أختي الصغرى فارْفارا، الفتاة الهادئة ذات الخدود المتورّدة كالتفاح، وشَعرٍ أشقر كالكتّان.
أرسل الخُطّاب إلى بيتنا، واتفقنا على زفافٍ بسيط دون تكلّف، كي نوفّر المال لبناء بيتٍ خشبيٍّ جديدٍ للزوجين.”
وأضافت الجدة بنبرةٍ متغيرة:
“وفي غمرة الانشغال بالتحضيرات، ظهرت عند بوابتنا أكولينا نفسها.
طرقت بخفة، ودخلت الحوش تسأل أمّي أن تُقرضها قليلاً من الملح — ليومين فقط.
استغربت أمّي، إذ كيف تمشي كل هذه المسافة وهناك جيرانٌ كُثُر أقرب إليها؟
لكنها لم ترفض، فكان قلبها كبيراً لا يعرف الحقد.
سكبت لها حفنةً سخية في قطعة قماشٍ وقدّمتها لها.”
وتابعت وهي ترفع حاجبيها:
“وما إن همّت أكولينا بالانصراف حتى كانت أليفتينا عائدة من المروج.
مرت بها دون كلمة، متجهة نحو البوابة.
وهنا التفتت أكولينا فجأة، بصقت خلفها بشدة، وتمتمت بكلماتٍ غريبةٍ سريعةٍ كأنها تخاف أن تسمعها هي نفسها، ثم هرعت راكضة كأنها تهرب من جرمٍ ارتكبته.
نظرتُ أنا وأمي لبعضنا في دهشةٍ كاملة لا نفهم ما رأيناه.
لكن أليفتينا لم ترتبك.
انحنت على الفور، قبضت حفنةً من التراب، ونثرتها خلف المرأة الفارة،
وختمت الجدة هذا الجزء من الحكاية قائلة:
“اقتربت منّا وقالت بصوتٍ هادئٍ لكنه جاد:
‘لماذا جاءت تلك المرأة إلى هنا؟’
قالت أمّي: ‘لتستعير الملح — وعدت أن تُعيده بعد يومين.’
فهزّت أليفتينا رأسها وقالت ببطء:
كنتِ مخطئة يا أختي حين أعطيتها الملح… لن يأتي من وراء ذلك خير.
كانت أليفتينا تهزّ رأسها ببطء وهي تقول:
“لقد تصرفتِ بحماقة عندما أعطيتها الملح. لن يأتي من وراء ذلك خير. تلك المرأة لا تنوي سوى الشر لأبنائنا الصغار — الغيرة السوداء تأكل قلبها من الداخل. لكن لا تقلقي… سأعتني بالأمر بنفسي.”
طلبت منا ألا نتدخل، وهمست ببعض الكلمات القديمة — تعويذة بصوتٍ خافت لكنه واثق — ثم أخرجت من جيبها سكينًا صغيرًا حادًّا، وغرسته في زاوية عتبة باب كوخنا، بحيث يغرس رأسه في الخشب.
وقالت بصرامة:
“الأمر الأهم — إياكم أن تلمسوا هذا السكين تحت أي ظرف. دَعوه واقفًا يحرس الباب.
وعندما تعود تلك المرأة لتُعيد الملح، لن تستطيع الدخول إلى البيت، ستشعر بحاجزٍ لا يُرى يمنعها.
ستسلّمكم الملح من فوق العتبة — خذوه، ولكن لا تدخلوا به إلى الداخل أبدًا.
احملوه إلى الكُوخ الخارجي، بعيدًا عن البيت، وانثروه هناك.”
قلت لها
“أليفْتينا بتروفنا، ما الذي حدث بينكِ وبينها عند البوابة؟”