هذه القصة قديمة إلى حد يبدو معها أنها نمت مع الزمن مثل جذور شجرة بلوط
ابتسمت المرأة العجوز، ولمع في عينيها بريق حكمة وهي تقول:
“يمكنكِ أن تسمي ما حدث… تبادل مجاملات، لكن من نوعٍ خاص جدًا.”
مرّ يومان بالضبط، وكدنا ننسى تلك الزيارة الغريبة، حين نظرت أمّي من النافذة وقالت بقلق:
“أكولينا قادمة. وتحمل صرّة في يدها.
قلبي يحدثني أنها لا تجلب لنا الملح، بل شيئًا من النحس.”
خرجت أمي إلى الشرفة تنتظرها.
اقتربت أكولينا من الباب، وارتسمت على وجهها ابتسامة ملتوية وهي تقول بنبرة ساخرة:
“ها، هل أنتم مستعدون للعرس؟ سنفرح قريبًا، أليس كذلك؟”
لكنها ما إن حاولت عبور العتبة حتى اندفعت إلى الوراء بقوةٍ غير مرئية، كأن شيئًا دفعها في صدرها!
ارتبكت لوهلة، واتسعت عيناها دهشةً وخوفًا، ثم مدّت الصرّة بسرعة إلى أمي، واستدارت وهرعت مبتعدة، تنظر خلفها بخوف.
تحلت أمي بالشجاعة، ولم تتردد لحظة.
تمامًا كما أوصت أليفْتينا، أخذت الصرّة دون أن تُدخلها إلى البيت، وسارت بها إلى أقصى طرف الحديقة، عند رقعة الخضار.
تبعناها أنا وأختي، إذ كدنا نموت فضولاً.
وهناك رأينا شيئًا لن ننساه ما حيينا:
حين فتحت أمي الصرّة وسكبت الملح الأبيض على
لم يسقط كمسحوقٍ أبيضٍ عادي…
بل تحوّل في اللحظة نفسها إلى سوادٍ حالك — أسود كالفحم —
ثم بدا كأنه ثقيل، غاص في التربة واختفى، تاركًا خلفه بقعة داكنة رطبة فقط.
تجمدنا في أماكننا من الدهشة، لا نقدر على الكلام.
قالت أمي وهي تتنفس بارتياح وتعقد كفّيها:
“الحمد لله… انتهى الأمر.
كل الشر الذي جاءت به دُفن في الأرض.
جزاكِ الله خيرًا يا أليفْتينا بتروفنا — لقد أنقذتِ زفاف ابنتي وسعادتها.
أكلت الغيرة قلب أكولينا لأنها لم تُختر زوجةً للحدّاد، فأرادت أن تؤذينا.
لكن يبدو أنها لم تكن تصلح للزواج أصلًا — لم يدفعها سوى الحقد والغيرة السوداء لهذا العمل الخبيث.”
في تلك الليلة، بعد أن غابت الشمس خلف الغابة،
ذهبتُ أنا وأمي إلى بيت أليفْتينا لشكرها من أعماق قلوبنا على مساعدتها وحكمتها وحمايتها.
استمعت إلينا في صمت، ثم قالت بصوتٍ هادئٍ لكنه واضح:
“تذكّرن يا عزيزاتي، بعض الأشياء البسيطة.
إن حفظتنها، حميتن بيوتكن وأهلكن من أي شر.”
اقتربت من الموقد، وعدلت الوشاح على رأسها، وبدأت تُعدّ النقاط بأصابعها:
أولاً:
يجب أن تُحفظ المكنسة في المطبخ أو خلف
وهذه وسيلة قديمة للحماية.
ولتقويتها، خذي خيطًا أخضر بسيطًا، أمسكيه بيديك وقولي:
“من جاءني بشرٍّ، عاد به إلى نفسه.”
ثم اربطي الخيط في مقبض المكنسة واتركيه هناك.
ثانيًا:
دُقي مسمارًا جديدًا متينًا في جانب الباب.
وقولي وأنت تدقينه:
“يا مسمار، آخذك لتخدم بيتي وأهلي.
ما دمتَ نائمًا في عتبة بابي، ا.”
وهذا المسمار يليق به حدوة حصان، ويُفضَّل أن تكون قديمة استُعملت من قبل.
ثبّتيها فوق الباب بحيث تكون أطرافها إلى الأسفل،
حتى تبقى البركة داخل البيت ولا تخرج منه.
ثالثًا:
الملح العادي بركة عظيمة وطاردٌ لأي شر، ولا يحتاج طقوسًا.
إن شعرتِ بعدم ارتياح، انثري خطًّا رقيقًا منه على العتبة،
ولن يستطيع أي حاقد أن يؤذي منزلك؛
فنيّاته الشريرة ستتبدّد كالدخان.
توقفت الجدة غاليا قليلًا، ونظرت إليّ بعينيها الحادتين وقالت:
“فتذكّري يا ابنتي هذه النصائح أيضًا، فالحياة مليئة بالمفاجآت.”
جلستُ على الأريكة أفكر فيما سمعت، ثم سألتها مترددة:
“إذًا يا جدّتي غاليا، هل يعني هذا أننا لا ينبغي أن نُعير أحدًا شيئًا؟
لا ملحًا، ولا طحينًا،
ضحكت ضحكتها العميقة الدافئة وقالت:
“لا، يا عزيزتي، ليس الأمر كذلك.
يمكنكِ الإعارة — بل ويُستحب — إن كان الشخص طيّب القلب.
الأمر يعتمد على من هو ومتى.
عليكِ أن تسمعي بقلبك.
لكن هذه قصة أخرى طويلة…
حسنًا، أعطني بعض الملح الآن، عليّ أن أعود، فالعمل ينتظرني.”
ثم نظرت إلى وجهي المتفكر وضحكت بخفة قائلة:
“لا تخافي، لستُ ساحرة! فقط تذكّرت تلك الحكاية القديمة، وبدت مناسبة للحديث.”
وبعدها نهضت من الأريكة، ورسمت إشارة ثلاث مرات أمام الأيقونة في الركن الأحمر،
أخذت كيس الملح الصغير عن الطاولة، وشكرتني على الشاي والفطائر والدفء،
ثم خرجت بهدوء، تُغلق الباب خلفها برفق.
جلستُ طويلًا عند الطاولة، والغرفة ما زالت تعبق برائحة الخَبز والشاي،
أنظر من النافذة إلى السماء التي أخذت تغرق في العتمة.
امتلأ رأسي بأفكارٍ عن سحر القرى البسيط، عن الخير والشر، عن هشاشة العالم، وعن أهمية الإحساس به.
وبرغم أن عقلي كان يقول إن كل هذا خرافات،
ففي أعماق روحي ظلّ شكٌّ صغير هادئ لا يتزعزع:
ماذا لو كان كل هذا… حقيقيًا؟
هكذا نحن البشر — نميل إلى الخيال
وفي كل واحدٍ منا يعيش جزءٌ صغير من تلك الإيمان القديم الذي يُورَّث مع القصص،
جيلاً بعد جيل