رواية زين الشناوي وسيدرا كاملة جميع الفصول تحت ظل المطر بقلم اسما السيد
كان واقف قدّام شباك مكتبه الفاخر، بيبصّ على المطر ببرود، لحدّ ما عينه وقعت عليها وسط كومة من الكراتين، بتحاول تخبّي نفسها من المطر.
مش عارف إيه شدّه ليها وخلاه ينتبه كده، يمكن لأنها بنت، والوقت في منتصف الليل، والدنيا غرقانة مطر.
محسّش بنفسه غير وهو بينزل من شركته، ويقف قدّامها، وأول ما رفعت وشّها ليه... اتصدم.
كانت المدينة تلك الليلة تلمع كأن المطر يلمّع جراحها القديمة.
الماء ينهمر فوق الأرصفة، يغسل الشوارع المرهقة، ويكشف وجوه الأشخاص التي اعتادت الاختباء وراء السرعة وضجيج المدن.
في أحد الأبراج الزجاجية العالية، كان زين الشناوي يقف أمام النافذة، ينظر إلى المدينة كما ينظر سيد إلى مملكته التي لم تعد تدهشه.
رجل أعمال في منتصف الثلاثينات، نجح سريعًا وامتلك كل ما يُشترى بالمال، لكنه فشل في شراء راحته.
رفع فنجان القهوة إلى شفتيه، لكنها كانت بلا طعم، ككل الأشياء من حوله.
تردّد صدى المطر في الزجاج، وشيء ما بداخله تذكّر صوتًا قديمًا، ضحكة كانت.
هبط زين إلى الشارع بعد منتصف الليل، أراد أن يشعر بالمطر، يستنشق رائحته، تتغلغل إلى روحه دون زجاج، دون حراسة.
ارتدى معطفه الفاخر، ونزل من البرج الذي يطل على نصف القاهرة.
خطا في الشوارع الهادئة، صوت حذائه يختلط بصوت المطر، وعند ناصية مظلمة لمحها.
كانت سيدرا تجلس أسفل مظلّة متهالكة أمام محل أغلق أبوابه، تحتضن قطة صغيرة بين ذراعيها، وعيناها تحدّقان في المطر كأنهما تتحدثان إليه.
ثيابها بسيطة، لكن وجهها كان ناعمًا بطريقة لا تُشبه الشوارع التي تسكنها.
اقترب ببطء وهتف بصوتٍ متردّد:
"مش خايفة من البرد؟ الدنيا مطر وسيول."
رفعت رأسها نحوه، ابتسمت ابتسامة قصيرة وقالت:
"اللي نام في الشارع ألف مرة، المطر ما بقاش يخوّفه يا بيه... بالعكس، بقى راحة بال ليه."
صمت لحظة، وشيء في كلامها آلمه، فسألها بحذر:
"طب ليه هنا؟ مفيش مكان تروحيه؟"
هزّت كتفيها وردّت:
"كان في... بس لما بتتعود على السما، السقف يخنقك."
ضحك بخفّة غير متوقعة وقال:
"
أجابته بهدوء:
"يمكن الشارع أرحم من الناس... بيعدّي وما بيأثّرش فيك."
وقف أمامها مدهوش من بساطتها وعمقها.
كان معتادًا على النساء اللاتي يتحدثن عن العطور والسفر، أمّا هي فكانت تتحدث عن النجوم والمطر.
سألها بعد برهة صمت:
"اسمِك إيه؟"
"سيدرا."
ابتسم:
"اسمك جميل."
فقالت بخفّة:
"وحضرتك؟"
"زين."
ابتسمت وقالت:
"زين... حكاية ناقصها الجنة."
ضحك رغمًا عنه، ضحكة حقيقية هذه المرّة، ثم جلس بجوارها على الرصيف المبلول.
المطر تساقط على معطفه الفاخر، لكنه لم يهتم.
كان يشعر بدفءٍ لم يعرفه منذ سنوات.
هتف وهو ينظر إلى القطة النائمة:
"بتحبّي الحيوانات؟"
قالت وهي تراقب القطة:
"بحب أي حدّ ما بيعرفش يتكلم عن وجعه."
نظر إليها مطوّلًا، عيناها فيهما حزن هادئ يشبه النسيم العليل.
مدّ يده إلى جيبه، وأخرج ظرفًا ماليًا قائلاً:
"خدي ده... على الأقل تروحي بيه مكان دافي."
نظرت إلى الظرف، ثم إليه، وردّت بنبرة متماسكة:
"أنا مش شحّاتة يا بيه.
تجمّد.
"ما قصدتش كده..."
قالت بهدوء:
"عارفة... بس كل الناس اللي بتديني فلوس، بتنسى تبصّلي في عيني."
صمت. كان المطر يزداد، وصوتها يتسلّل إلى قلبه كنسمة خفيفة... مريحة حدّ الارتواء.
جلسا صامتين دقائق، ثم قالت فجأة:
"عارف يا زين... أنا ساعات بحس إن المطر هو الوحيد اللي بيسمعني بجد."
ابتسم بحزن وسألها:
"وبيقولك إيه بقى؟"
قالت وهي تبتسم نصف ابتسامة:
"بيقولي استني... بكرة يمكن الدنيا تغسل الوجع."
أحسّ أنه يريد أن يصدقها، أن يغسل هو الآخر وجعه... لكنه لم يعرف كيف.
في الليلة التالية عاد إلى المكان، فلم يجدها.
ظلّ يمرّ كل يوم، حتى وجدها بعد أسبوعين، جالسة في نفس الزاوية...
لكن هذه المرّة كانت ترتجف من البرد.
اقترب سريعًا وهو يهتف بقلق:
"إنتِ تعبانه ليه؟ ما جيتيش قولتيلي؟ وقاعدة في البرد كده ليه؟ قومي معايا!"
ضحكت بخفوت وقالت:
"مين هيسمع؟ الشارع ما بيسمعش كُحّة."
أخذها إلى سيارته رغم رفضها، وقادها إلى المستشفى بنفسه.
جلست في المقعد الأمامي تنظر
"العربية دي عاملة زي أوضه بتجري."