رواية زين الشناوي وسيدرا كاملة جميع الفصول تحت ظل المطر بقلم اسما السيد
فابتسم وقال:
"وإنتِ عاملة زي حدّ طالع من فيلم قديم."
ابتسمت، ونامت من التعب.
في المستشفى، جلس بجوارها طوال الليل.
لأول مرة منذ زمنٍ طويل، شعر أن وجوده له معنى.
وفي الصباح، قالت له وهي تبتسم:
"أنا مش متعودة حد يفضل جنبي... ليه بتعمل كده؟ هتخلّيني أتعود."
قال بهدوء:
"يمكن عشان أول مرة ألاقي حد صادق، وأنا مش دافع تمنه."
سكتت لحظة، ثم قالت بخفة:
"طب لما أخرج... هتسيبني؟"
"مش عارف."
"أنا عارفة... هتسيبني. الناس اللي فوق دايمًا بيمشوا لما الدنيا تبقى هادية."
لم يجد ما يردّ به.
خرجت من المستشفى بعد أيام، فعرض عليها أن تعمل في مؤسسة خيرية تابعة له،
لكنها رفضت قائلة:
"مش عايزة أي مكان يفتّكرني إني كنت مشرّدة... أنا عايزة أبدأ من نفسي."
ترك لها رقم هاتفه وقال:
"لو احتجتي أي حاجة... ده رقمي."
ابتسمت وقالت:
"أنا مش بتعامل
ثم رحلت.
مرت شهور.
عاد زين إلى برجه الزجاجي، لكن كل مطر كان يذكّره بها.
وفي إحدى الليالي، نزل مرة أخرى لنفس الشارع.
لم يجدها.
وجد فقط قطة صغيرة — نفس القطة التي كانت تحتضنها —
وعليها ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط يدٍ مرتجف:
"لما المطر ينزل... بصّ للسما، هتعرف إنّي لسه هنا."
أمسك الورقة وابتسم للمرة الأولى منذ رحيلها.
مرت سنة كاملة، لكن المطر لم يمرّ على زين مرور الكرام.
في كل مرة كان يرى أو يسمع هطوله، يشعر وكأن خطواتها تقترب من جديد.
في مساءٍ شتوي آخر، قاد سيارته في شارع قديم في شبرا،
حين لمح لافتة صغيرة كتب عليها:
"مقهى المطر — المشروبات الساخنة للفقراء مجانًا."
ترجّل ودخل...
رائحة القهوة الممزوجة بالمطر ملأت المكان.
وفي أقصى المقهى، خلف البخار المتصاعد، رآها.
سيدرا.
لم تعد تلك المشردة...
كانت
اقترب ببطء، وحين التفتت إليه قالت مبتسمة:
"اتأخرت قوي يا زين."
أجابها بابتسامة دافئة:
"كنت بدوّر عليكي... تحت المطر الغلط."
جلست أمامه، وهتفت وهي تصبّ له قهوة:
"القهوة هنا ببلاش... بس الدفا مش ببلاش."
ضحك وسألها:
"وأنتِ بتوزّعي الدفا؟"
قالت وهي تنظر إليه بعينٍ تلمع:
"بوزّعه... على اللي محتاجه بس."
ابتسم وقال بهدوء:
"وحشتيني يا سيدرا."
نظرت إليه بعينين لامعتين وهمست:
"وحشتني الدنيا اللي كنت بحسها لما تبصلي كده."
أشار إلى القطة في الزاوية وقال مبتسمًا:
"فاكرها؟ لسه بتفتكرك كل مطرة."
ضحك بصوت خافت وتابع:
"كنت فاكر إني اللي أنقذتك من الشارع...
بس اكتشفت إنك إنتِ اللي أنقذتيني من نفسي."
قالت وهي تبتسم بخفة:
"وأنا كنت فاكرة إن المطر نهايتي... لكن طلع بدايتي.
خارج المقهى كانت السماء تمطر من جديد.
هتفت وهي تفتح الباب:
"تعالى نتمشّى تحت المطر... زي أول مرة."
خرج بجانبها، الشارع مبلول، والأضواء ترتجف فوق الماء.
همس وهو يمد يده نحوها:
"لسه بتكلمي المطر؟"
ضحكت وقالت:
"كل يوم... بس دلوقتي مش بستناه يغسل وجعي،
بستناه يفتكرنا."
أمسك بيدها لأول مرة منذ سنة.
كانت يدها دافئة رغم البرد،
كأنها عرفت أخيرًا طريقها إلى الأمان.
المطر يزداد، لكنه لم يكن بردًا هذه المرة...
كان كأنه يصفّق لهما، يبارك اللقاء،
ويقول بالصمت ما لم يقله من قبل.
وقفا وسط الشارع — هي تضحك، وهو يبتسم —
والناس تمرّ من حولهما، لا تعرف أن هذا المطر
يحكي حكاية بدأت على رصيف الوحدة.
وفي زاوية المقهى، بقيت القطة نائمة،
وحولها ورقة صغيرة مكتوب فيها بخطٍ واثق:
"المطر مش بينزل علشان يغرقنا،
المطر بينزل علشان يفكّرنا إننا
نقدر نجدد حياتنا وآمالنا."
تمّت سلسلة حكايات أسما السيد