خلوها تمسح المكان وهي واقفة قدام الناس كلها كاملة جاسم وناريمان

لمحة نيوز

عدالة الحياه 
خلوها تمسح المكان وهي واقفة قدام الناس كلها علشان تتعلم إن أي إهمال ليه تمن.
كان مساء القاهرة مضيئا كعادته والهواء في بهو فندق السويفي جراند يحمل رائحة عطر غال ممزوجة برهبة المكان.
الأرض لامعة كأنها مرآة والعمال يتحركون كالنمل في نظام صارم استعدادا لاستقبال كبار رجال الأعمال في حفل إطلاق مشروع جديد لمجموعة السويفي للاستثمار.
في تلك الأجواء كانت ناريمان عاصم تنحني لتلمع طاولة من الرخام شعرها مربوط بإحكام والعرق يتسلل من جبينها رغم برودة المكيف.
لم يكن يهمها البهرجة من حولها كل ما تريده أن تنهي عملها قبل أن يبدأ الحفل حتى لا يراها أحد من هؤلاء الذين لا يرون سوى المظاهر.
لكن القدر كعادته لم يكن لطيفا.
بينما كانت تمسك دلو الماء لتغسل البقعة الأخيرة تعثر أحد العمال خلفها فاصطدم بها فانسكب الماء على الأرض وامتد حتى المدخل الرئيسي.
في اللحظة ذاتها دخل جاسم السويفي بنفسه.
رجل طويل ملامحه صارمة عيناه حادتان كأنهما سيفان لا يبتسم إلا نادرا. يرتدي بدلة رمادية داكنة ومعه عدد من الضيوف

والإعلاميين.
لم ينتبه أحد أولا إلى الأرض الزلقة حتى تقدم أحد المصورين خطوة واحدة وسقط أمام الجميع.
صوت الكاميرا ارتطم بالأرض والدهشة علت الوجوه.
تجمد الجميع في مكانه وعيونهم اتجهت نحو مص در البلل إلى ناريمان.
كانت واقفة ممسكة بالدلو الفارغ عيناها متسعتان كأنها أمام محكمة.
جاسم رفع حاجبه ببطء وصوته خرج هادئا لكنه مشحون
مين المسؤولة هنا عن المنظر ده
لم تجب في البداية ثم رفعت يدها بخوف
أنا آسفة يا فندم كنت بنضف
قاطعها ببرود
نضفتي ولا غرقتي الدنيا
ضحكات خافتة من الحضور. أحدهم همس لآخر
شكلها خلاص اتفصلت!
اقترب منها بخطوات بطيئة حدق فيها قليلا قبل أن يقول
اسمك إيه
ناريمان ناريمان عاصم يا فندم.
بتشتغلي هنا من إمتى
شهرين تقريبا.
أومأ ببطء.
طيب يا ناريمان عاصم تعرفي إن الحفلة دي فيها ناس بملايين وإن أي غلطة صغيرة ممكن تبوظ سمعتي قدامهم
ابتلعت ريقها بصعوبة همست
غصب عني يا فندم الراجل خبط فيا
لكن جاسم لوح بيده مقاطعا
الغلطة غلطة اللي مش واخدة بالها من شغلها.
ثم نظر نحو مدير القاعة
خلوها تمسح المكان وهي
واقفة قدام الناس كلها علشان تتعلم إن أي إهمال ليه تمن.
صدمت ناريمان رفعت نظرها له بذهول
حضرتك تقصد دلوقتي قدام الناس
ابتسم بخفة لا تخلو من قسوة
أيوه دلوقتي.
صمت ثقيل خيم على القاعة والعمال الآخرين تجمدوا.
لكنها لم تكن تملك خيارا انحنت وبدأت تمسح الأرض وهي تسمع الهمسات من كل اتجاه.
غلبانة أوي المسكينة
بس بصراحة دي غلطتها!
جاسم السويفي عمره ما بيرحم حد بيغلط.
كانت الدموع تحرق عينيها لكنها أصرت ألا تسقط.
أنهت التنظيف ثم قامت وشكرته بصوت مرتجف
خلصت يا فندم.
نظر إليها لحظة طويلة وقال بهدوء بارد
تعلمي المرة الجاية إن الشغل مش نص إحساس.
ثم رحل.
مرت أيام والواقعة صارت حديث كل العمال.
بعضهم تعاطف معها وبعضهم سخر منها.
أما ناريمان فقد كانت كل ليلة تعيد المشهد في ذهنها وتغلي بداخلها.
في إحدى الأمسيات طلب منها تنظيف الجناح الرئاسي في الطابق العاشر وهو جناح لا يسمح لأي عاملة بدخوله إلا بتصريح خاص.
ذهبت متوترة فتحت الباب بهدوء ودخلت.
لم تتوقع أن تجده هناك.
جاسم السويفي بنفسه جالس على الكرسي دون جاكيت sleeves
rolled up عيونه مركزة في أوراق أمامه.
حين رآها رفع نظره وقال ببرود
انتي اللي اسمك ناريمان صح
ارتبكت
أيوه يا فندم أنا جاية أنضف الجناح حسب الجدول.
أشار إلى الكراسي
سيبي التنظيف شوية عايز أكلمك.
جلست مترددة وأمسكت بيديها في حجرها.
قال بهدوء غريب
الناس في الشغل قالولي إنك ما بطلتش تيجي رغم اللي حصل. كنت متوقع تستقيلي.
نظرت إليه بثبات هذه المرة
أنا محتاجة الشغل يا فندم. والحزن عمره ما هيأكلنيعيش.
ابتسم ابتسامة قصيرة غير متوقعة.
كلام كبير.
مش كبير بس حقيقي.
سكت لحظة ثم قال
تعرفي أنا ما بحبش أعتذر. بس الليلة دي حصل فيها حاجات كتير وأنا كنت متعصب.
نظرت إليه بدهشة
حضرتك بتعتذر
ضحك بخفة
مش بالضبط. بس خليني أقول إني كنت قاسي زيادة عن اللزوم.
سكتت لا تعرف بماذا ترد.
لكنه أكمل بنبرة عملية
بما إنك لسه مصممة تكملي عندي ليكي اختبار. الأسبوع الجاي عندنا مؤتمر دولي وعايز حد يشرف على الفريق الجديد من العمال. تقدري تعملي كده
اتسعت عيناها
أنا!
أيوه انتي. لو نجحتي هتاخدي ترقية وراتب أعلى. ولو فشلتي هتبقي مجرد عاملة
بتنضف البهو.
تنفست بعمق
موافقه.
ابتسم بخفة وقال
تمام. خلينا نشوف ناريمان عاصم هتقدر
تم نسخ الرابط