امرأة مشلولة تركت وحدها في مقهى في موعدها الأول ثم اقترب منها مدير تنفيذي غريب ومعه فتاة صغيرة

لمحة نيوز

امرأة مشلولة تركت وحدها في مقهى في موعدها الأول ثم اقترب منها مدير تنفيذي غريب ومعه فتاة صغيرة
كانت سيرينا هايز تحدق في بخار فنجان الشاي أمامها تتابع خيوطه وهي تتصاعد كأنها تبحث عن طريق للهروب من صمت المقهى ومن ثقل الانتظار.
كان مقهى شارع مارلو ذا طابع أوروبي أنيق بأرضياته الخشبية اللامعة وكراس من الخوص وصوت موسيقى الجاز الخافتة التي تملأ الفراغ بين المحادثات. كان المكان مألوفا وغريبا في آن واحد يشبه الحياة التي اعتادت عليها قبل الحادث.
اختارته لأنها أرادت أن تختبر شيئا طبيعيا أن تجلس وسط الناس دون أن تكون نظراتهم إليها مشوبة بالشفقة أو الحذر. في الثانية والثلاثين من عمرها لم تعد الشجاعة بالنسبة إليها مغامرة كبيرة بل لحظة بسيطة تخرج فيها نفسها إلى العلن تواجه العالم على كرسي متحرك لا يخفي شيئا.
وصلت قبل الموعد بخمس عشرة دقيقة مرتدية فستانها البيج المفضل الذي طالما منحها شعورا خفيفا بالأنوثة والدفء. كان شعرها مربوطا للخلف في كعكة مرتخية وتزين شفتيها حمرة وردية خفيفة. بدت كمن تحاول أن تقنع نفسها أن اليوم مختلف أن الحياة يمكن أن تبتسم حتى بعد الانكسار.
جلست في الزاوية الأقرب إلى الرصيف ويداها مطويتان في حجرها. كانت تتأمل المارة بقلق لطيف تنتظر الرجل الذي بدا صادقا في رسائله دانيال. تحدثا عن الفن واللون والموسيقى وسألها عن معرضها الأخير وعن لوحاتها التي وصفتها بأنها تتنفس.
لم يسألها أبدا عن إعاقتها ولم يلمح إليها. بدا ذلك مريحا كأنه يرى ما وراء الكرسي لا ما فوقه.
رأته يعبر الشارع نظيف المظهر أنيق الخطى. لمحها فتجمد للحظة. بدا وكأنه ينظر إليها ولأول مرة يرى الحقيقة التي لم تذكرها له مباشرة. انطفأت ملامحه ثم أنزل بصره. أخرج هاتفه بسرعة كتب شيئا ثم اختفى بين

الزحام.
رن هاتفها.
كانت الرسالة باردة كالمطر في منتصف ديسمبر
عذرا حدث أمر طارئ. لن أستطيع الحضور. بالتوفيق.
حدقت في الكلمات دون أن تتحرك. أحست بشيء ينكسر ببطء داخلها كأن خيبة الأمل القديمة نهضت من رمادها لتجلس أمامها مجددا.
لم تبك. فقط ظلت صامتة.
في تلك اللحظة لم تكن سيرينا الفنانة ولا المرأة المليئة بالأحلام بل كانت كائنا هشا يختصر في عجلات معدنية وقصة لم تخترها.
فكرت أن تغادر. أن تحتفظ بكرامتها كما تحفظ الفنانة فرشاتها بعد لوحة فاشلة.
لكنها لم تفعل. أنهت شايها في صمت وقالت في نفسها لا بأس. على الأقل كنت شجاعة بما يكفي للحضور.
ثم أخرجت دفترها الصغير وبدأت ترسم. إلا أن الخطوط تمايلت تحت يدها المرتجفة وذابت الألوان كأن الورق يبكي معها.
وفجأة دخل صوت صغير المشهد صوت ناعم كوقع قطرات على زجاج نافذة.
قالت الفتاة بصوت طفولي
مرحبا... لماذا أنت حزينة
رفعت سيرينا عينيها فرأت طفلة في نحو السادسة ذات ضفائر شقراء مربوطة بشرائط حمراء دمية وحيد قرن وحذاؤها الأيسر مفكوك.
بدت الطفلة كأنها خرجت من لوحة مائية.
ابتسمت سيرينا وقالت برقة
أنا بخير يا عزيزتي لست حزينة. فقط أنتظر شخصا تأخر قليلا.
ردت الطفلة بعناد لطيف
لا تبدين بخير. أبي يقول إن الناس الذين ينظرون كثيرا إلى أكوابهم يكونون حزانى.
ضحكت سيرينا بخفة للمرة الأولى منذ الصباح.
وأين والدك الآن
أشارت الصغيرة بإصبعها نحو الباب الزجاجي للمقهى.
هناك إنه قادم.
التفتت سيرينا فرأته رجل طويل القامة في أواخر الثلاثينيات يرتدي معطفا رماديا ومعه حقيبة جلدية داكنة. كان يتحرك بخطوات ثابتة كمن يحمل على كتفيه أكثر من مسؤولية العمل.
اقترب بخفة والهدوء المهيب يسبقه. كان وسيما لا بتلك الوسامة الصاخبة بل بتلك التي تشبه الجبال صامتة لكنها
مهيبة.
قال وهو ينحني قليلا
أعتذر إن أزعجتك ابنتي لديها فضول لا حدود له.
ابتسمت سيرينا
بل هي أنقذتني من صمت طويل لا تقلق.
نظر إلى دفترها وإلى الخطوط المتشابكة عليه ثم قال بابتسامة متفحصة
تبدين فنانة.
أجابت
أحاول أن أكون.
قال بلطف
الفن لا يحتاج إلى الكمال بل إلى صدق بسيط وهذا ما يبدو في عينيك.
سكتت لحظة كأنها نسيت كيف يجيب الإنسان على كلمات كهذه.
ثم قالت
أظن أن الحياة بعد الحوادث تعلمنا ألوانا لم نكن نعرفها.
أومأ رأسه وقال
تماما وبعض الجمال لا يرى إلا من زاوية الألم.
تعلقت الصغيرة بثوب والدها قائلة
أبي هل يمكن أن ترسمنا هي ترسم أشياء جميلة!
ضحك بخفة وقال
ربما يوما ما إذا سمحت لنا السيدة الفنانة.
شعرت سيرينا بدفء لطيف في صدرها إحساس غريب يشبه بداية فصل جديد.
كان في الرجل مزيج من الهدوء والمسؤولية وفي الفتاة ضوء لا يمكن تجاهله.
لكنها لم تقل شيئا. فقط ابتسمت.
ثم دخل صوت صغير إلى المشهد وكأنه صوت شخص يقلب جرة بها نجوم على الرصيف.
مرحبا قالت فتاة صغيرة مهيبة كما لو أنها توقفت أثناء إعلانها لتزن كلماتها. كانت ضفائرها الشقراء مربوطة بشرائط حمراء ووحيد قرن محشو متشبث بصدرها وحذاء واحد مفكوك. كانت عيناها الزرقاوان واسعتين من الفضول. لماذا أنت حزينة
فركت سيرينا باطن راحتيها بظهر يدها وابتسمت بكرمها المعهود الذي تخصصه للأطفال والكلاب. قالت أنا بخير يا عزيزتي. هل أنت تائهة أين...
قالت الفتاة وهي تشير بإصبعها اللزج أبي هناك. أسرع رجل معطفه يرفرف كأنه كان يقضي بعض المهمات فتأخر
بسبب ثقل الدنيا. كان في أواخر الثلاثينيات من عمره وسيم نعم لكن ليس من ذلك النوع من الوسامة التي تصرخ بل من النوع الذي يملأ الغرفة بهدوء وترتيب. كان يبدو عليه مظهر شخص اعتاد أن ينصت إليه رباطة
جأش الرئيس التنفيذي التي تنبع من مسؤوليته عن أكثر من مجرد غداءه.
قال بهدوء لين لكن عينيه خف بريقهما عندما وقعتا على سيرينا. لاحظ آثار الدموع على وجهها والكرسي الفارغ أمامها وشعر بشيء يشبه السكينة يزحف إلى ملامحه الصارمة.
قال بصوت مفعم بالاعتذار
أنا آسف إن أخافتك لديها عادة الهرب عندما لا أكون منتبها.
ثم نظر إلى الدمية المحشوة بين يدي ابنته وسأل بابتسامة جانبية
هل هذا سباركل لقد أصرت ابنتي الأسبوع الماضي على أن تسمي كل لعبة تبدأ بحرف L قالت إن الأسماء تلمع أكثر بهذه الطريقة.
قالت الصغيرة بفخر عظيم
تألقي!
ثم تابعت بجدية القاضي الذي ينطق بالحكم
لكن لماذا لديك عجلات
تحول وجه الأب إلى مزيج من التوبيخ والارتباك
ليلي هذا سؤال غير مهذب.
لكن سيرينا قاطعت برفق وابتسامة مطمئنة
لا بأس يا عزيزتي يمكنك السؤال.
مدت يدها لتأخذ الدمية الصغيرة التي قدمتها الطفلة كقربان سلام. كانت اللعبة متسخة قليلا من الأطراف وتفوح منها رائحة خفيفة من واقي الشمس بنكهة الموز لكنها حملت معها دفئا غريبا.
ابتسمت سيرينا وقالت
تعرضت لحادث منذ أعوام وساقاي لم تعودا تعملان كما كانتا لذلك أستخدم هذا الكرسي كي أتحرك. إنه يساعدني كما يساعدك والدك عندما يقود السيارة بدلا من أن يمشي إلى أي مكان.
أومأت ليلي برأسها اقتناعا وكأن الكون قد عاد إلى نظامه الطبيعي.
قالت بجدية مدهشة
هل يمكنني الجلوس معك تبدين وحيدة.
تدارك الأب سريعا وقال
ربما ترغب السيدة اللطيفة في البقاء بمفردها.
ضحكت سيرينا بخفة صادقة
في الواقع سأحب الصحبة إن لم تمانع أنت.
انتظر الرجل لحظة يزن الموقف ثم قال بابتسامة رزينة
حسنا.
وجلس بهدوء على الكرسي المقابل بينما ظل بصره متصلا بها للحظة أطول مما ينبغي.
قال لليلي وهو يهم بالنهوض
سأحضر القهوة
ريثما تخبريني عن سباركل.
قفزت ليلي على الكرسي الذي تركه دانيال فارغا قبل قليل وضعت
تم نسخ الرابط