امرأة مشلولة تركت وحدها في مقهى في موعدها الأول ثم اقترب منها مدير تنفيذي غريب ومعه فتاة صغيرة
المحتويات
دميتها أمامها على الطاولة بحرص كما لو كانت تعلن بداية صداقة رسمية.
بعد دقائق عاد الرجل يحمل كوبين وعلبة عصير صغيرة. ناول ابنته العصير بابتسامة أبوية ثم التفت إلى سيرينا قائلا
أدريان بلاكوود.
ابتسمت وردت بخجل خفيف
سيرينا هايز.
كانت لا تزال تشعر بحرارة الدموع التي جفت على وجنتيها ولم تحب أبدا أن يراها أحد في تلك الحالة. كانت الشفقة بالنسبة إليها كلمة قاسية تشبه الرمال الجافة في فمها.
بدأ الحديث بينهما بخفة غير متوقعة. تحدثا لأن الكلام مع الغرباء أسهل أحيانا من الكلام مع الذين يعرفوننا كثيرا. سألها أدريان عن عملها في التصميم وعن لوحاتها وعن أكثر الألوان التي تفضلها دون أن يقترب من منطقة الشفقة أو الحادث. تركها تختار متى وكيف تحكي قصتها وعندما بدأت تتحدث عن السيارة وعن أشهر إعادة التعلم استمع إليها كما يستمع أحدهم إلى موسيقى حزينة لا يريد إصلاحها بل يريد أن يفهمها.
وفي تلك الأثناء كانت ليلي ترسم على منديل أبيض خطوطا متعرجة ثم رفعت المنديل بفخر وقالت بحماس طفولي
التألق يجعل الناس سعداء حين يكونون حزانى. هل تريدين أن تحمليه
وضعت الدمية في يد سيرينا كما لو كانت تمنحها لقبا ملوكيا.
أحاطت سيرينا اللعبة بيديها بلطف ولاحظت الغرز الخرقاء التي أصلحت بها الطفلة قرن سباركل. كانت الغرز نيونية اللون لكنها جعلت اللعبة أكثر إنسانية كما تفعل الندوب في البشر.
شعرت سيرينا برائحة أقلام التلوين وأيام قديمة في الحدائق وغروب يشبه الطفولة. كان في صدرها شيء يتكون من جديد شيء يشبه الاحتمال.
جلس أدريان في المقعد المقابل وعيناه هادئتان على نحو مقلق.
قال بعد برهة بصوت خفيض كأنما يخشى إيقاظ العالم
أنا آسف بشأن الرجل.
رفعت حاجبيها بدهشة
أي رجل
الذي
احمر وجه سيرينا قليلا وقالت بصوت متهدج
رأيته ظننت أنني ربما أسأت الفهم. ربما كنت أتوقع الكثير.
قال أدريان بنبرة قاطعة
لم تخطئي الفهم أبدا. رأيته. أناس كهؤلاء... صغار لا لأنهم لا يحتملون الاختلاف بل لأنهم لا يعرفون الكرم. إنهم يخافون مما لا يستطيعون تسميته.
ثم نظر إلى ليلي التي كانت قد غطت في نوم عميق على صدره إبهامها في فمها وخصلة شعر ملتصقة بخدها.
تابع بصوت يقطر دفئا
أحيانا يكون أفضل رد على القسوة هو اللطف. أن تظهر للآخرين قيمتهم بدلا من أن تهدر طاقتك على من لن يدركوها أبدا.
كانت سيرينا تنظر إليه في تلك اللحظة وتفكر أن بعض الغرباء لا يدخلون حياتنا صدفة بل كإعادة تعريف لما نظنه مكسورا فينا.
وفي مكان ما بين الضوء المتسلل من النافذة وصوت أنفاس الطفلة النائمة بدا العالم أبسط وأكثر صدقا مما تخيلته منذ زمن طويل.
قالت سيرينا بصوت خافت يحمل بقايا الحذر
أنت لا تعرفني بعد فما زالت بيننا حواجز اللباقة التي تمنعني من أن أكون حقيقية تماما.
كانت يداها ترتجفان قليلا وهي تمسح على رأس سباركل كأنها تبحث في دفء الفراء عن شيء من الطمأنينة ثم تابعت بابتسامة مريرة
ربما تكون من أولئك الرجال الذين يجدون عزاءهم في إنقاذ النساء الحزينات من مقاعد الانتظار.
ابتسم أدريان ابتسامة صغيرة لكنها صادقة وقال بهدوء يقطر صدقا
ربما أكون كذلك لكنني أيضا رجل فقد زوجته منذ ثلاث سنوات بسبب السرطان ومنذ ذلك اليوم أعيش عاصفة صغيرة بمفردي. أعمل كثيرا أتخذ قرارات تتعب القلب قبل الجسد. الكل يرانا من
نظر إليها طويلا قبل أن يضيف بنبرة أكثر دفئا
حين رأيتك مع ليلي لم تتظاهري باللطف ولم تتجمدي كمن يجهل التعامل مع الأطفال. كنت إنسانة وهذا وحده أبلغ من كل الكلمات في ملفات التعارف.
ضحكت سيرينا بخفة لكن الضحكة ما لبثت أن انكسرت إلى شهقة ثم إلى صمت ثابت يشبه لحظة الشجاعة.
بدأت تحكي له بصيغة مهذبة منقاة من قسوة الحقيقة عن تلك الليلة ليلة اصطدام السيارة بعمود الإنارة والهمهمة الباردة في غرفة المستشفى ورائحة المطهر المختلطة بالمطر.
تحدثت عن الشهور التي قضتها في العلاج الطبيعي عن أصابعها اليسرى التي كانت أول من تذكر كيف تمسك فرشاة الأسنان وعن اللحظات الصغيرة التي قالت لها إن الحياة لم تنته بل تحولت إلى شكل آخر أغرب لكن أكثر صدقا.
استمع أدريان في صمت طويل وعندما تحدثت عن الرجل الذي غادر أطلق زفرة امتزج فيها الغضب بالارتياح. قال بعد تفكير
أنا سعيد لأنه رحل ليس لأنك تأذيت بل لأنه لو بقي ربما ما كانت ليلي لتجد سباركل ولا كنت أنت لتجدي طريقك إلى هنا. أحيانا تغلق الأبواب كي تفتح نوافذ جديدة. تبدو العبارة مكررة لكنها في جوهرها حقيقية.
ذلك اليوم تبادلا أرقام الهواتف. لم يكن قرارا متسرعا بل شعورا مشتركا بأن هذا هو الصواب.
كتب أدريان اسمه وأرسل الرسالة بثقة هادئة تشبه طريقته في الاستثمار. وفي المساء كتب لها
قهوة مجددا ليلي تطلب موعدا للعب مع سباركل.
جاء
تحولت القهوة إلى عشاء والعشاء إلى أيام أحد طويلة تبدأ برائحة الفطائر وتنتهي بأصوات الرسوم المتحركة وبتهويدات ناعمة تنسج أحلام طفلة تنام بطمأنينة نادرة.
كان أدريان يسألها أسئلة عملية
هل الباب الأمامي واسع بما يكفي هل أعيق الطريق إن أحضرت البقالة
لكنه لم يكن يسأل بدافع الواجب بل بدافع التعلم كمن يحاول فهم حياة جديدة لم يكن يظن أنه سيعيشها.
أما ليلي فكانت حادة الملاحظة على غير سنها.
في ظهيرة ماطرة بينما كانت ترسم بالألوان على طاولة المطبخ نظرت إلى سيرينا وقالت بثقة طفولية
أنت مختلفة عن النساء الأخريات اللواتي يواعدهن أبي.
ضحكت سيرينا وسألتها ولم تقولين ذلك
ردت الطفلة بجدية مدهشة
لأن الأخريات يبتسمن فقط عندما يكون أبي موجودا لكن حين نكون وحدنا يتمنين لو يذهبن. أنت تمزحين معي حتى عندما لا يراقبنا أحد.
توقفت سيرينا لحظة ثم سألتها بابتسامة ناعمة
وهل هذا أمر جيد أم سيئ
هزت ليلي كتفيها وقالت ببساطة تشبه الحكمة
أظنه جيدا لأنك لا تمثلين بل تكونين كما أنت.
قالت ليلي بحزم طفولي مدهش
هذا جيد لأنني أردت أما تحبني كما أنا. طلبت من الكون أن يرسلها لي فأرسلك جالسة في مقهى وحيدة تحتمين بفنجان قهوة ودفء خافت.
مدت الصغيرة يدها تلمس قرن سباركل المهترئ باحترام بالغ ثم تابعت
كنت أعرف أنك لنا لي ولك ولأبي.
كلماتها تلك علقت في صدر سيرينا كضوء صغير لا ينطفئ وبدأ التراكم البطيء للحنان المعتاد يكسوها كجلد جديد.
لم يجعل أدريان الكرسي المتحرك حاجزا بينهما بل تعامل معه كجزء طبيعي من حياتهما
كان يسألها عن أمور عملية حين يلزم الأمر
هل المنحدر أنسب
متابعة القراءة