كانت الساعة الثامنة وخمسًا وأربعين صباحًا في يوم خميس، عندما التقط جوناثان هايز المدير التنفيذي لشركة

لمحة نيوز

كانت الساعة الثامنة وخمسا وأربعين صباحا في يوم خميس عندما التقط جوناثان هايز المدير التنفيذي لشركة هايز للنقل والخدمات اللوجستية هاتفه متنهدا بعمق.
كان ينتظره يوم طويل من تلك الأيام التي تبدو بلا نهاية حيث تمتد الساعات ثقيلة كأنها تجر ببطء عبر الوحل.
على جدول أعماله عشرات الاجتماعات مكالمات لا تعد ولا تحصى مع المستثمرين مراجعات دقيقة للميزانية السنوية ولكن أكثر ما كان يرهقه في هذا اليوم لم يكن رقما ولا صفقة بل مكالمة واحدة فقط مكالمة ينهي بها عمل موظف اسمه مايكل تيرنر بسبب ضعف أدائه المتواصل.
ثلاثة أشهر كاملة لم يحقق فيها مايكل الأهداف المطلوبة ومجلس الإدارة يضغط عليه بلا رحمة
يجب أن تتخلص منه يا جوناثان فالشركة لا تنتظر أحدا.
جلس جوناثان في مكتبه الزجاجي الضخم بالطابق الخامس والثلاثين من برج هايز يحدق في المدينة الممتدة أسفل نوافذه الواسعة كأنها لوحة صامتة.
أمسك كوب القهوة بيده اليمنى وباليسرى قلب في هاتفه مترددا بين العدالة والصرامة.
كان ناويا أن ينهي المكالمة في دقائق قليلة بلغة مهذبة لكنها حازمة كما اعتاد أن يفعل.
لكن القدر كان يخفي له ما سيهز كيانه كله.
ضغط على زر الاتصال وألصق الهاتف بأذنه.
رن الخط مرتين ثم جاءه صوت لم يكن يتوقعه أبدا.
لم يكن صوت رجل بالغ ولا حتى موظف مرتبك ينتظر مصيره بل كان صوت طفل صغير مرتجف

تغلفه نبرة خوف خالصة
من فضلك من فضلك تعالى ساعد ماما!
تجمد الدم في عروقه.
رفع رأسه كمن صدم بتيار كهربائي وقال بسرعة
ماذا من يتحدث
جاءه الصوت مجددا أكثر بكاء وذعرا
ماما وقعت على الأرض! مش بتتحرك يا باشا! أرجوك ساعدها!
في تلك اللحظة تلاشت كل الأصوات من حوله حتى عقارب الساعة توقفت عن الحركة.
شعر بشيء يضغط على صدره بعنف كأن قلبه ينذر بعاصفة.
خفض صوته فجأة وتحدث بحنان لم يعرفه في نفسه من قبل
اهدأ يا صغيري لا تقلق فقط أخبرني أين أنتم ما هو العنوان
قال الطفل العنوان بصوت متقطع لحي فقير على أطراف المدينة.
وقبل أن ينهي المكالمة كان جوناثان قد أمسك مفاتيح سيارته وانطلق مسرعا دون أن يفكر.
ترك قهوته على المكتب وخرج من الباب بخطوات سريعة أربكت السكرتيرة التي ناديته من بعيد
مستر هايز! الاجتماع بعد خمس دقائق!
لكنه لم يلتفت.
ركض نحو المصعد كأنما تطارده نيران خفية.
وفي لحظة كان في موقف السيارات يفتح باب سيارته الفارهة ويضغط على دواسة الوقود بكل ما فيه من توتر.
انطلقت السيارة تشق شوارع المدينة والمباني تمر أمامه كوميض من الضوء والظل.
لم يكن يسمع شيئا سوى خفقات قلبه التي تسبق أنفاسه.
كان يقول في داخله وهو يشد قبضته على المقود
يا رب احفظها خليني أوصل قبل فوات الأوان.
بعد عشرين دقيقة بدت له كعشرين عاما وصل إلى الحي الفقير.
شارع ضيق الأرصفة
مليئة بالغبار والأبواب القديمة نصف مفتوحة كأنها تئن.
وقف أمام شقة متواضعة في الطابق الأرضي والباب موارب.
دفعه برفق ودخل فوجد نفسه أمام مشهد لن ينساه ما عاش
طفل في نحو السابعة من عمره راكع على الأرض يحتضن امرأة ممددة لا تتحرك.
اقترب جوناثان بخطوات مترددة ثم جثا بجوارها وتفحص نبضها بيد مرتجفة قبل أن يزفر براحة خفيفة ويقول
إنها تتنفس الحمد لله.
ثم التفت إلى الطفل وقال بهدوء يليق بأب أكثر منه مديرا
هات الهاتف يا بني واتصل بالإسعاف فورا.
وبينما كانا ينتظران وصول سيارة الإسعاف لمح جوناثان شيئا على الأرض بطاقة عمل صغيرة.
انحنى والتقطها قرأ الاسم فتسمرت عيناه في مكانها.
الاسم المكتوب كان سارة تيرنر عاملة نظافة شركة هايز للنقل.
عندها شعر كأن أحدهم صفعه.
لم يكن الطفل ابن الموظف الذي أراد فصله
بل ابن عاملة نظافة تعمل في شركته تنظف المكاتب ليلا بينما هم ينامون.
ظل جوناثان جالسا بجانبها حتى وصلت سيارة الإسعاف وكان الطفل متشبثا بيد أمه لا يفهم سوى أنها نائمة ولا تريد أن تستيقظ.
حين حملها المسعفون على النقالة كانت ملامح وجهها باهتة كأنها فقدت لون الحياة.
رافقهما جوناثان إلى المستشفى دون تفكير فقط بدافع غامض أقوى من المنطق.
لم يعد ذلك المدير الذي يخطط لكل لحظة بل صار رجلا يسير خلف قلبه.
في سيارة الإسعاف جلس إلى جوار الطفل الصغير يضع
يده على كتفه ليهدئ ارتعاشه.
قال له بلطف أبوي
لا تقلق يا صغيري أمك بخير فقط متعبة قليلا.
رفع الطفل نظره إليه بعينين تلمعان بالدموع وسأل بصوت خافت
أنت تعرف ماما
ابتسم جوناثان ابتسامة مريرة وأجاب
من اليوم سأتعرف عليها جيدا.
عندما وصلوا إلى الطوارئ هرع الأطباء نحو المرأة الممددة.
تبعهم جوناثان بخطوات سريعة حتى أوقفته إحدى الممرضات قائلة
من فضلك ابق هنا نحن سنتولى الأمر.
فجلس على الكرسي المقابل لغرفة الطوارئ يحدق في الباب المغلق كأن وراءه سرا يعجز عن فهمه.
بعد دقائق مرت كأنها ساعات خرج الطبيب المناوب وقال له بهدوء جاد
الحمد لله إنها على قيد الحياة لكنها تعاني من إجهاد شديد وجفاف حاد كانت تعمل فوق طاقتها بكثير.
ثم أردف
لو تأخرنا قليلا كان يمكن أن تفقد وعيها للأبد.
شكر جوناثان الطبيب ونظر إلى الطفل الذي جلس بجانبه متشبثا بسترة رجل لا يعرفه فربت على رأسه وقال
أمك بخير الآن أعدك بذلك وسأتكفل بكل شيء.
وبينما نقلت سارة إلى غرفة الملاحظة جلس جوناثان قرب النافذة يفكر.
لأول مرة منذ سنين طويلة أحس بالخزي من نفسه.
هو الذي كان يقضي أيامه يحسب الأرباح والخسائر لم يلاحظ يوما أن بعض موظفيه لا يملكون حتى رفاهية الراحة أو كوب ماء نظيف في نهاية دوامهم.
تذكر الاجتماعات التي يطالب فيها الجميع بالإنتاج والمزيد من الإنتاج دون أن يسأل أحد كم
يتألم هؤلاء كي نحصل على هذا الرقم
ظل جالسا هناك حتى بدأت الشمس تميل
تم نسخ الرابط