كانت الساعة الثامنة وخمسًا وأربعين صباحًا في يوم خميس، عندما التقط جوناثان هايز المدير التنفيذي لشركة
إلى الغروب والضوء الذهبي ينسكب عبر النوافذ على وجهه المتعب.
في تلك اللحظة شعر أن العالم كله يطالبه بأن يتغير.
حين فتحت سارة عينيها بعد ساعات كانت أول صورة تراها هي وجهه.
ارتبكت وقالت بصوت واهن
أستاذ هايز! ما الذي أتى بك إلى هنا
ابتسم بخفة ناعمة وقال
ابنك اتصل بي بالغلط وصدقيني لم أكن أتمنى مكالمة أفضل من هذه.
نظرت إليه بعينين يملؤهما الخجل والامتنان وقالت
آسفة يا فندم إن سببنا لك أي إزعاج ما كنتش عارفة أروح فين.
أومأ برأسه ونبرة صوته هادئة كالماء
لا تعتذري يا سارة أنت فقط ذكرتني من جديد ماذا يعني أن أكون قائدا لا رئيسا.
وفي المساء غادر المستشفى وهو يشعر أنه ترك هناك جزءا من قلبه لكنه أخذ معه درسا لا يقدر بثمن.
قرر أن يبدأ التغيير من الغد أن يعيد ترتيب كل شيء في شركته كما يعاد بناء الإنسان بعد السقوط.
وفي الصباح التالي دعا إلى اجتماع طارئ مع إدارة الموارد البشرية.
دخل القاعة بثبات غير معهود وبصوت حازم ومليء بالأسى قال
أريد تفسيرا واضحا كيف تسمحون بأن يعمل موظف في شركتنا بهذا القدر من الإرهاق دون راحة
لماذا عمال النظافة يعملون مناوبات مزدوجة بلا مقابل إضافي ومن الذي وقع على ذلك
ساد الصمت القاعة وتهرب
طرق الطاولة بيده وقال بصوت مرتجف من الغضب
أنتم تتحدثون عن الأرقام وأنا أرى البشر. الشركة ليست جدرانا أو تقارير بل هؤلاء الذين ينظفونها قبل أن تأتوا ويغادرونها بعد أن تذهبوا!
في تلك اللحظة لم يكن المدير التنفيذي يتحدث بل إنسان استيقظ ضميره بعد سبات طويل.
بعد ذلك الاجتماع تغير وجه الشركة كما تغير وجه جوناثان نفسه.
لم يعد يهتم ببيانات الأرباح ولا بتقارير السوق بنفس الحماس القديم بل صار يسأل أولا عن أحوال العاملين عن إجازاتهم عن صحتهم وعن بيئة العمل التي يعيشون فيها.
كان يشعر للمرة الأولى أن شركته التي طالما افتخر ببنائها من الصفر لم تكن تنمو بالأرقام بقدر ما تنمو بالقلوب.
في الأسبوع الذي تلا الحادثة أصدر قرارا جديدا حمل توقيعه شخصيا وجاء فيه
رفع أجور جميع عمال النظافة والدعم بنسبة ٣٠٪ وتوفير تأمين صحي كامل لهم ولعائلاتهم مع منع العمل الإضافي دون موافقة مكتوبة من الإدارة العليا.
أثار القرار ضجة بين التنفيذيين واحتج بعضهم بشراسة
هذا سيؤثر على أرباح الشركة يا سيدي!
لكن جوناثان الذي كان يجلس في رأس الطاولة نظر إليهم بنظرة هادئة واثقة وقال
الربح الحقيقي ليس في الأرقام بل في أن تظل
الناس الذين نراهم أقل شأنا هم الذين يبقون هذه المؤسسة واقفة فلا يحق لنا أن نعاملهم كأرقام على ورق.
لم يجد أحد ردا وساد الصمت.
أما هو فشعر أن شيئا بداخله انكسر ثم أعيد بناؤه من جديد.
مرت أسابيع وعادت سارة إلى العمل بعد أن استردت عافيتها.
كانت تخشى لقاءه تشعر بالحرج لأنها تسببت دون قصد في زعزعة جدول أعماله وإرباك يومه لكنها فوجئت حين استقبلها السكرتير بابتسامة وقال
مستر هايز بانتظارك في مكتبه.
دخلت بتردد تحمل في يدها ملفا صغيرا فيه أوراق عملها السابقة وفي اليد الأخرى تمسك بيد طفلها الصغير.
كان المكتب نفسه الذي تركته في ذهنها مكانا باردا لكنه بدا مختلفا اليوم أكثر دفئا وكأن الضوء يدخل إليه من نافذة جديدة.
رفع جوناثان رأسه من فوق الأوراق وابتسم ابتسامة هادئة وقال
أهلا بعودتك يا سارة.
اقتربت بخجل وقالت
أشكرك يا فندم لو لم تتدخل أنت لم أكن لأعيش لأعود إلى ابني.
مد يده مقاطعا كلماتها
بل اشكريه هو هو من أنقذ أمه.
ثم أشار إلى الصبي الصغير الذي اختبأ خلفها وقال وهو يبتسم له
أنت البطل الحقيقي هنا مكالمتك كانت أهم مكالمة في حياتي.
أمسكت سارة دموعها بصعوبة ثم فوجئت حين ناولها ورقة رسمية
نظرت إليها بتعجب فقرأ هو ما فيها بصوت واضح
بموجب هذا القرار ترقى السيدة سارة تيرنر إلى منصب مشرفة قسم المرافق مع جدول عمل مرن وراتب جديد يتناسب مع خبرتها.
وضعت يدها على فمها غير مصدقة واغرورقت عيناها بالدموع.
قالت بصوت مرتعش
لا أستحق هذا يا فندم.
فأجابها وهو ينظر إليها بعينين تملؤهما الرحمة
بل تستحقين أكثر لأنك لم تكوني مجرد عاملة تنظف الأرضيات بل إنسانة تعلمنا كل يوم معنى الكرامة.
خرجت سارة من المكتب ودموعها تسيل بخفة بينما كان ابنها يلوح لجوناثان بيده الصغيرة ويقول
باي يا عمو!
ضحك جوناثان ورد عليه بابتسامة صافية
إلى اللقاء يا بطل.
وبينما كان الباب يغلق خلفهما نظر إلى النافذة الواسعة التي تطل على المدينة وقال لنفسه بصوت خافت
غريب كيف يمكن لمكالمة واحدة أن تغير حياة إنسان بل تعيد تعريفها من جديد.
مرت شهور بعد تلك الحادثة ولم يمر يوم إلا وتذكر تلك اللحظة
لحظة الصوت الصغير المرتجف على الطرف الآخر من الهاتف يقول
من فضلك ساعد ماما.
تلك الجملة القصيرة كانت كفيلة بأن تعيد له إنسانيته التي كادت تضيع بين المكاتب والعقود والصفقات.
ومنذ ذلك اليوم لم يعد جوناثان هايز المدير الصارم فحسب
بل عن الرحمة.