صفعت زوجة ابنها أمام الجميع لكن ما فعله الابن بعدها غيّر حياتهم للأبد

لمحة نيوز

بنته حول نفسها.
قالت بصوت حاولت أن تجعله متماسكا
هل تهدد أمك بالبيت
أجبتها بثبات هادئ
أنا لا أهدد يا أمي. أنا أقول الحقيقة كما تركها أبي لنا وشرف أبي أمانة في رقبتي. لا أخرجك من البيت ولا أرفع يدي عليك ولا أطلب أكثر من أن ترفعي يدك عن زوجتي. فإن كان البيت بيت وصية فوصيته أيضا أن لا يهان في هذا البيت من دخل إليه آمنا.
سقطت الجملة كحجر في ماء راكد وبدأت دوائرها تمتد في وجوه الجميع. في تلك اللحظة رأيت شيئا يتبدل في عيني أمي كأنها سمعت صدى قديما لصوت أبي وهو يوصيها بنا. رأت ملامحه في وجهي أو هكذا خيل إلي. عندها فقط انكسرت حدة نظرتها وانخفض ذقنها قليلا كمن سقطت منه سكين لم يكن يدري أنه يحملها كل هذا الوقت.
اقتربت من المائدة بخطوات محسوبة وضعت الأوراق على سطحها بعناية كمن يضع شيئا أثمن من نفسه ثم قلت بصوت حاولت أن أجعله ثابتا رغم ما يضطرب في صدري
إن أردت نذهب غدا معا إلى الكاتب العدل نثبت أن هذا البيت سيظل سقفا لنا جميعا كما أراده أبي وأن آنا ليست خادمة فيه بل سيدة مثلما أنا ابن هذا المكان. وأن يدك يا أمي لن ترفع بعد اليوم إلا لمصافحة أو لمسح دمعة. وإن لم تريدي فإنني بوصية أبي سأغادر مع زوجتي
إلى حيث أستطيع أن أضمن لها كرامتها دون أن نحارب كل يوم معركة خاسرة.
رفعت أمي رأسها ببطء كأنها ترفع عمرا كاملا من العناد. كانت الدموع تلمع في زاويتي عينيها كحبات مطر تأبى السقوط أمام الريح. نظرت إلى آنا طويلا ثم إلي ثم إلى الأوراق التي بسطتها على المائدة ثم إلى الكرسي الخشبي الخالي عند الحائط الكرسي الذي كان أبي يجلس عليه في كل وجبة ويملأ المكان هيبة. تقدمت بخطوة مترددة لمست طرف المقعد بيدها كما لو أنها تستدعي شبح الرجل الذي غاب. جلست عليه فجأة وانحنى ظهرها انحناءة صغيرة تشبه انسحاب مقاتل أدرك أن الحرب لم تكن مع أحد سواه.
قالت بصوت خرج من أعماق بعيدة لم أسمعها من قبل
أنا أخطأت. لم أكن أرى. كنت أظن أنني أحمي ابني وكنت في الحقيقة أحمي خوفا لبسته على شكل حب. صدقت أن الصرامة تصنع الرجال وأن الحزم يردع الانكسار لكنني لم أفهم أن القسوة تسرق من القلب براعمه الصغيرة قبل أن تنمو.
ثم نظرت إلى آنا نظرة طويلة كأنها تزن بين يديها اعتذارا متأخرا وقالت
سامحيني يا ابنتي لم أجد من الكبر ما يمحو صغر قلبي تلك اللحظة.
سألتها آنا بصوت رقيق كالمطر حين يبدأ
لماذا
قالت أمي وهي تطرق رأسها
لأنني خفت أن أفقده ففقدتك.
ظننت أن المكانة تبنى أمام الناس فخسرت مكاني عند نفسي. ولأنني حين سقط الحساء يومها رأيت في عينيك وجه أبيك يوم أسقط الطعام من التعب فغضبت وكان غضبي عليك لا على القدر. وما كان ينبغي أن يقع ذلك منك ولا مني.
ثم سكتت ووضعت كفها على جبينها كمن يقي نفسه من ضوء مؤلم يفضح أكثر مما ينير.
لم أفعل شيئا سوى أن اقتربت. مددت يدي إلى كوب ماء وقدمته لها وبالأخرى أمسكت بكف آنا. كان المشهد بسيطا لكن الغرفة في تلك اللحظة تحولت إلى قلب كبير يتعلم كيف يضخ الحياة من جديد بعد سكتة طويلة.
قال أحد الأعمام بصوت متردد لنجلس.
فجلسنا جميعا.
قالت أمي لن ترفع اليد في هذا البيت بعد الآن إلا للخير. الأغاني التي تحبينها يا آنا سنسمعها معا والحساء إن سكبناه سنضحك ونمسحه معا. والأقارب الذين يتغذون على آلام البيوت سيجدون أبوابها مغلقة في وجوههم.
ثم التفتت إلي وقالت بنبرة امتزج فيها العتب بالرضا
ومن اليوم إن رفعت صوتي ذكرني بوصية أبيك.
قلت وأنا أبتسم في وجهها
أعدك وسأظل ابنك الذي يعرف متى يقول لا باحترام كما يعرف متى يقول نعم بمحبة.
كان المساء طويلا ثقيلا في بدايته ثم صار خفيفا كنسمة بعد مطر غزير. حين غادر الأقارب وقد انشغلت
وجوههم بأحاديث أخرى لا تخصنا بقي البيت ساكنا كأن المطر عبره للتو وغسله.
أحضرت حقيبة الإسعاف الصغيرة وجلست أمام آنا. مسحت الدم عن شفتها بلمسة ناعمة لم أمارسها من قبل وضحكت حين رأت انعكاسنا في مرآة الخزانة وقالت بخجل خفيف
تبدو مثل طبيب يتدرب على قلبه.
قلت مبتسما
وقلبي تلميذ لك منذ عرفك.
وضعت المرهم برفق ثم أحضرت قطعة ثلج في منديل وقلت
سيخف الألم لا تقلقي.
قالت وهي تنظر إلي بعينين تشبهان وعد الربيع
الألم يخف حين أراك واقفا إلى جانبي.
رفعت نظري فرأيت أمي واقفة عند باب المطبخ تراقب بصمت تتردد فيه الحياة من جديد. ابتسمت آنا لها فمسحت أمي دمعة خجولة بطرف المنديل كأنها تمحو بتلك الحركة البسيطة سطرا من ذنب طويل لا تحتاج بعده إلى اعتذار آخر.
لم تتبدل الأشياء في لحظة واحدة فالأشياء الكبيرة لا تتغير بضربة سحر بل كما يذوب الجليد على مهل. في الصباح التالي استيقظت أمي باكرا ودخلت غرفة آنا بخطوات هادئة لا تحمل كبرياء ولا انكسارا وقالت
هل تسمحين لي أن أعد الفطور كما كان يفعل أبوك
ابتسمت آنا وقالت
نعم وأريد أن أتعلم منك طريقة الأرز التي تحبها العائلة.
دخلتا المطبخ معا ووقفت أنا على العتبة أراقب المشهد
كمن يخاف أن يلمسه فيفسده. رأيت
تم نسخ الرابط