رفضت أختي أن أقابل خطيبها وقالت لي إنه من الأفضل أن أبتعد عن حفل الزفاف

لمحة نيوز

رفضت أختي أن أقابل خطيبها وقالت لي إنه من الأفضل أن أبتعد عن حفل الزفاف. فتبعتها سرا ذات يوم لأكشف ما تخفيه. عندما رأيت وجهه أخيرا توقف قلبي
رفضت أختي أن أقابل خطيبها وقالت لي ببرود غريب إن الأفضل أن أبتعد عن حفل الزفاف تماما. لم أفهم حينها سبب انزعاجها من حضوري لكنها كانت حازمة إلى درجة جعلتني أشك أن هناك ما تخفيه. حاولت إقناع نفسي بأنها مجرد توتر ما قبل الزفاف لكن شيئا في صوتها في الطريقة التي أنهت بها المكالمة جعلني أستشعر أن وراء هذا الهدوء عاصفة.
في ذلك الصباح الملبد بالأسئلة جلست أمام نافذتي أراقب المطر يتساقط فوق شوارع بالتيمور الرمادية وأفكر في السنوات التي مرت بيني وبين أختي لينا. كنا مقربتين إلى حد التماهي نشارك الأسرار والضحكات وحتى الأحلام الصغيرة التي كنا نخطها على دفاترنا القديمة. فكيف وصل بنا الحال إلى هذا الجدار السميك من الصمت
قالت لي يومها عبر الهاتف
إنه شخص منعزل يا دليلة... ولا يحب الضوضاء وأنت تعرفين نفسك... أحيانا تكونين مبالغة قليلا. نريد يوما بسيطا وهادئا.
كان صوتها ناعما كالحرير لكنه أخفى نصلا من جليد.
هدوء... الكلمة ارتطمت بصدري كصفعة. أي هدوء تتحدث عنه وهي تقصيني من أهم يوم في حياتها
مر أسبوعان بعدها ببطء خانق. كل محاولاتي لرؤيته باءت بالفشل وكل سؤال كنت أطرحه كان يقابل بعذر جديد
إنه مسافر.
مريض قليلا.
مشغول في العمل.
حتى والداي اللذان كنت أظن أنهما سيلحظان شيئا غريبا انضما إلى الصمت.
قالت أمي وهي تحاول الابتسام
دعي أختك تستمتع بوقتها يا دليلة لا تجعلي الأمر يتمحور حولك.
لكنني

كنت أعلم. كان هناك ما هو أعمق من مجرد مفاجأة أو حفل زفاف بسيط. كانت هناك سرية خانقة تبنى حولي كجدار يبعدني عن الحقيقة.
وجاء يوم الزفاف.
لم أكن مدعوة لكن قلبي لم يسمح لي بالجلوس مكتوفة الأيدي.
ارتديت فستانا أسود بسيطا وغطيت شعري بوشاح داكن كأنني أتهيأ لجنازة لا لحفل زفاف. تسللت إلى كنيسة القديسة كاترين في بالتيمور حيث كان الحفل يقام وسط ضجيج الأناشيد والعطور الثقيلة.
من علية الجوقة المظللة حيث الغبار يتراقص مع أشعة الضوء الملونة القادمة من الزجاج المعشق جلست أراقب المشهد من الأعلى كطيف منسي. في الأسفل كان البحر من فساتين الحرير بألوان الباستيل والرجال في بدلات أنيقة تلمع تحت الثريات الكريستالية. كانت وجوه الحاضرين تفيض ابتسامات باردة مصطنعة كأنها لوحات رسمت على عجل لإخفاء شيء مشوه في الداخل.
كان هذا حفل زفاف العام.
زفاف أختي الصغرى لينا.
ذلك الزفاف الذي لم يسمح لي بحضوره.
بينما تعزف الفرقة الوترية لحنا ناعما وتتصاعد همسات الضيوف مع رنين الكؤوس شعرت أن صدري يضيق. كل شيء في المكان بدا مزيفا مرتبا بعناية مريبة كما لو كان يخفي جريمة.
انفتح باب الكنيسة الكبير ودخلت لينا بخطوات واثقة. كانت جميلة... بشكل حاد يؤذي العين.
فستانها الأبيض المطرز بالدانتيل انعكس عليه الضوء فبدا كأنه يشتعل.
ابتسامتها ثابتة لكنها كانت ابتسامة نصر لا حب.
كان في نظراتها بريق لم أره منذ زمن خليط من الكبرياء والسر.
الكل وقف احتراما حتى القس توقف عن الكلام لحظة حين رآها.
كانت تمسك بذراع عريسها الذي وقف بظهره نحو الحضور. طويل القامة عريض
الكتفين يتحرك بثقة رجل يعرف كيف يسيطر على المكان.
تجمدت أنفاسي.
شعرت أن قلبي توقف عن الخفقان لثانية.
كان هناك شيء في طريقة وقوفه في انحناءة رأسه في ملامحه الجانبية التي لمحتها عندما مال نحوها وهمس شيئا في أذنها... شيء مألوف حد الرعب.
مد خيط الضوء وجهه للحظة فبان خط فكه وانسياب شعره الداكن.
عندها انهار العالم من حولي.
رأيت وجهه واضحا تماما.
وجه الرجل الذي غادرني قبل يومين فقط متذرعا بمؤتمر عمل في ولاية أخرى.
وجه طليقي... جوليان.
تسمرت مكاني.
الموسيقى تحولت إلى ضجيج لا يحتمل والزهور البيضاء في القاعة فاحت منها رائحة خانقة كأنها بدأت تتعفن.
كل صوت تلاشى إلا صوت دقات قلبي المتكسرة.
زوجي... يقف الآن عند المذبح يبتسم لأختي ويستعد لقول نعم.
لم يتوقف العالم بل بدأ ينهار ببطء بهدوء موجع ككأس تسقط على الأرض وتتحطم في صمت.
تصلبت أطرافي وأنا أراقب المأساة تتشكل أمامي ببطء. لم أكن أصدق ما أراه وكأن المشهد يعرض في عالم مواز لا أنتمي إليه. حاولت أن أتنفس لكن الهواء بدا أثقل من أن يمر عبر صدري. ارتجفت يداي وأنا أتمسك بدرابزين العلية شعرت ببرودة الحديد تسري في عروقي كسم صامت.
عند المذبح وقف جوليان بثقة قاتلة. نفس الملامح التي حفظتها عن ظهر قلب تقوس شفتيه عندما يبتسم الخط الخفيف عند حاجبه الأيسر الطريقة التي يعدل بها ياقة بدلته قبل كل مناسبة.
كل شيء فيه كان مألوفا حد الألم إلا نظراته كانت غريبة. فارغة من كل دفء.
همس بشيء في أذن لينا فابتسمت ثم رفعت رأسها نحو القس كأنها تنتظر لحظة التتويج.
كانت تبتسم وأنا من الأعلى كنت
أرتجف.
ابتسامة واحدة منها كانت كافية لتفهمني أن كل شيء مدبر وأنها تعلم تماما من هو الرجل الذي تقف أمامه.
كل الذكريات التي كنت أظنها ملكي وحدي تكسرت أمامي كقطع زجاج.
رن صوت القس داخل الكنيسة العتيقة
إن كان لدى أحد سبب يمنع إتمام هذا الزواج المقدس فليتحدث الآن أو ليصمت إلى الأبد.
كان علي أن أتكلم.
أن أصرخ أن أقول الحقيقة أن أوقف هذه المهزلة.
لكن صوتي مات في حلقي.
تخيلت وجوه الحضور تلتفت نحوي وجوه والدي الصامتين دموع لينا المصطنعة وهي تتظاهر بالذهول وجوليان الذي سيحول الحقيقة إلى كذبة أخرى.
في لحظة واحدة أدركت أنني لو تحدثت سأصبح الأخت الغيورة المرأة المجنونة التي لا تحتمل سعادة غيرها.
فتحت فمي ثم أطبقت شفتي.
اختارت الصمت.
وهكذا تم الأمر.
سمعت جوليان يقول بصوت واضح واثق
أوافق.
ثم دوى التصفيق وتبعته الموسيقى من جديد بينما شيء في داخلي تحطم بلا رجعة.
كنت أراقبهم وهما يتبادلان الخواتم يبتسمان والضوء ينعكس على أصابعهما كخاتم نيران يلتف حول عنقي أنا.
تذوقت طعم الدم في فمي دون أن أشعر فقد عضضت شفتي بشدة.
لم أدر كم مضى من الوقت لكنني وجدت نفسي أهبط الدرجات بخفة شبح لا يراه أحد حتى وقفت خلف أحد الأعمدة الرخامية أختبئ من نظرات الحضور.
كانت يداي ترتجفان وقلبي يخبط صدري كطائر محاصر.
مرا أمامي وهما يغادران المذبح يدها تتشبث بذراعه كمنظف للعار.
التفتت لينا للحظة نظرة واحدة فقط لكنها كانت كافية.
رأتني.
لم تتفاجأ.
لم تصرخ.
بل اكتفت بأن ترفع زاوية فمها بابتسامة صغيرة متعمدة كأنها تقول لي الكرة في ملعبك الآن.
خرجت من الكنيسة
بخطوات متعثرة.
لم أسمع شيئا سوى صدى ضحكاتهم وهي تتلاشى خلفي.
كان المطر قد
تم نسخ الرابط