رفضت أختي أن أقابل خطيبها وقالت لي إنه من الأفضل أن أبتعد عن حفل الزفاف

لمحة نيوز

توقف لكن الرائحة التي تركها على الأرصفة كانت خانقة تماما كرائحة الغش التي التصقت بي.
توقفت في منتصف الشارع ألهث كمن يهرب من جريمة.
جريمة ارتكبت ضدي وأنا على قيد الحياة.
زوجي تزوج أختي.
وأختي سرقت حياتي دون أن ترمش.
جلست داخل سيارتي أراقب الموكب الأبيض يتحرك ببطء بعيدا والزينة تتراقص خلفه. أردت أن أصرخ لكني لم أجد صوتي.
تسللت من بين السيارات تبعا لهم بلا خطة بلا وعي كمن ينجذب إلى الهاوية.
وصلوا إلى قصر غراند فيو في أطراف المدينة قصر ضخم يطل على غابة من الأشجار القديمة يلمع في ضوء الغروب كقصر من زجاج هش.
ركنت سيارتي بعيدا عن الموكب حتى لا يلاحظني أحد ثم خرجت ألهث في الظلام أراقب من بعيد الأضواء المتلألئة والضيوف الذين يتدفقون إلى الداخل.
تسلقت السور الحديدي رغم تمزق فستاني الأسود بالمسامير.
جرحت يدي وسقط بعض شعري من المشابك لكنني لم أتوقف.
كل خطوة كانت تدفعني أكثر نحو الحقيقة التي لم أعد أخافها.
وقفت خلف الشرفة الخلفية للقصر أختبئ خلف شجرة سرو ضخمة.
من النافذة رأيتهم.
القاعة كانت متلألئة بالشموع والموسيقى تعزف نغمة بطيئة حالمة.
كانت لينا تدور بين الحضور كفراشة مغرورة تمسك بذراع جوليان الذي بدا مرتاحا كأن لا شيء في العالم يؤلمه.
رفعت كأسيهما في نخب صاخب والضحكات تتعالى.
شاهدتهم يرقصون وجوههم تقترب أيديهم
تتشابك كأنهما في حلم طويل لا ينتهي.
لكنني لم أعد أبكي.
كنت أراقبهم بعين باردة.
كل دمعة سالت في الكنيسة تحولت إلى فكرة.
وفكرة واحدة فقط كانت تشتعل في رأسي
لن أدعهم يهنأون بما سرقوه.
ظللت واقفة خلف الشرفة لوقت طويل أطول مما ظننت أن جسدي يستطيع احتماله. كانت الموسيقى تدور حولي كأنها تسخر من صمتي بينما أراقبهما يبتسمان ويتحركان بتناغم يوجع القلب. لم أعد أرى التفاصيل بوضوح كل شيء صار باهتا ومشوشا وكأن الهواء نفسه لم يعد يرغب في حمل صورتهما إلي.
تحركت بخطوات هادئة نحو الباب الخلفي. كان مفتوحا قليلا وصوت الضحك يتسرب منه كهمس ساخر. تسللت إلى الداخل دون أن يلاحظني أحد. الأرضية الرخامية تلمع تحت الأضواء والزينة المعلقة على الجدران تعكس وجهي في كل مرآة وجه امرأة أنهكها الذهول حتى صارت لا تشبه نفسها.
اقتربت من طاولة المشروبات تناولت كأسا رفعته إلى شفتي دون أن أتذوق شيئا. أردت فقط أن أخفي ارتجاف يدي.
رأيتهم بوضوح كانت لينا تضع رأسها على كتفه وهو يهمس لها بشيء جعلها تبتسم. ابتسامة رأيتها يوما تخصني.
كل شيء فيه بدا مألوفا حتى الألم نفسه.
شعرت بأنني غريبة عن العالم الذي كنت أظنه عالمي. لم أستطع أن أبقى أكثر.
استدرت مبتعدة نحو ممر جانبي وجلست على مقعد ذهبي صغير داخل غرفة جانبية أتنفس بصعوبة.
نظرت إلى يدي إلى الخاتم الذي
لا يزال يطوق إصبعي وكأنه يذكرني بما انتهى. خلعته ببطء ووضعته على الطاولة أمامي.
كنت هادئة بشكل غير طبيعي كأن العاصفة بداخلي انتهت وخلفت سكونا مرعبا.
سمعت وقع خطوات خفيفة في الممر ثم رأيتها.
دخلت لينا. كانت تمسك بطرف فستانها الطويل وتبتسم كأنها كانت تعلم أنني هنا منذ البداية.
قالت بصوت ثابت
كنت واثقة أنك ستأتين يا دليلة.
نظرت إليها بصمت لم أنطق حرفا.
اقتربت أكثر حتى صارت بيننا خطوات معدودة ثم قالت بنبرة باردة
الأمر لم يكن كما تظنين... هو لم يكن مرتاحا لقد ابتعد بنفسه. أنت من تركتيه وأنا فقط... كنت قريبة.
رفعت رأسي ببطء ونظرت في عينيها قلت بهدوء جليدي
ليس كل من يقترب يستحق ما يأخذه. بعض المسافات خلقت لتحمي لا لتخترق.
ارتبكت لوهلة ثم تمالكت نفسها.
ابتسمت وقالت كأنها تحاول الانتصار بالكلمات
ربما أنت من لم يعرف كيف يحتفظ بالأشياء.
ضحكت بخفوت ضحكة قصيرة أوجعت صدري أكثر مما أراحته.
اقتربت منها خطوة وقلت
احتفظي به إذا. لكن تذكري... الأشياء التي تنتزع من غير حق تبقى ثقيلة على الكف مهما حاولت تزيينها.
تراجعت خطوة إلى الوراء وعيناها اتسعتا بخوف صامت.
مررت بجانبها بهدوء تام وخرجت.
لم ألتفت.
الهواء في الخارج كان باردا منعشا على نحو غريب كأنه يغسل عني ما تبقى من آثار تلك الليلة.
سرت حتى وصلت إلى السيارة جلست فيها
بصمت مطبق وضعت رأسي على المقود وأغمضت عيني. لم أبك. لم أصرخ. كان هناك سلام ثقيل يتشكل في صدري لأول مرة منذ زمن.
في الصباح التالي ذهبت إلى المحامي وأنهيت كل ما يربطني بجوليان.
لم أقدم تبريرات ولم أبحث عن كلمات تشرح ما لا يشرح.
كانت الخطوة بسيطة لكنها حاسمة كقطع الحبل الذي ظل يشدني إلى الألم.
مرت أسابيع بعدها كأنها زمن جديد.
غادرت لينا المدينة واختفى هو من دوائر حياتنا كأنهما ذابا في صمت اختارا صنعه لأنفسهما.
وصلتني بعد فترة رسالة منها لم أفتحها.
كنت قد انتهيت.
كل صباح كنت أجلس أمام نافذتي نفسها التي بدأت منها الحكاية أحتسي قهوتي وأراقب المطر وهو يهطل برقة على الزجاج.
لكنه هذه المرة لم يكن يوجعني.
كان كأنه يغسل ما تبقى من صور باهتة في الذاكرة حتى صارت الأيام الماضية تشبه حلما بعيدا تلاشى مع أول ضوء.
وأثناء ترتيبي لأغراضي ذات يوم وجدت صورة قديمة تجمعني بها ونحن صغيرتان نضحك ونرتدي فساتين الزفاف البلاستيكية التي كنا نلعب بها في الحديقة. نظرت إلى الصورة طويلا ثم ابتسمت.
لم أعد أكرهها ولم أعد أحبها أيضا.
صرت فقط أفهم أننا فقدنا الطريق الذي كان يجمعنا ولن نعود إليه أبدا.
وضعت الصورة داخل صندوق صغير وأغلقته ثم خرجت إلى الشرفة.
المدينة كانت هادئة والسماء ملبدة بالغيوم لكنني شعرت بنور خفيف يتسلل إلى صدري.
ربما
لم أستعد كل ما ضاع لكنني استعدت نفسي.
وكان ذلك كافيا لأبدأ من جديد.

تم نسخ الرابط