شر حماتي الجزء الثاني والأخير
استيقظت على أصوات خافتة من حولي أصوات أجهزة ترصد أنفاسي ونبضي والهواء مشبع برائحة المطهرات التي تحرق أنفي.
كان الضوء الأبيض المسلط على وجهي قاسيا فحاولت أن أفتح عيني ببطء لكن جفوني كانت ثقيلة كأنها محملة بأطنان من التعب.
لم أدر في البداية أين أنا السقف غريب الجدران باردة والملاءات البيضاء تشي بأنني لست في بيتي.
ثم فجأة اندفعت الذكريات كالسيل الدم الألم صوتي وأنا أصرخ والبرد الذي اخترق عظامي.
سمعت صوت ممرضة يقول بهدوء
الحمد لله لقد أفاقت.
عندها خفق قلبي بعنف كأنه يذكرني بما تركته معلقا بين الحياة والموت.
وبصوت متقطع خرجت الكلمات من فمي
التوأم كيف حالهما
اقتربت الممرضة مني بابتسامة مطمئنة وقالت
ولدا قبل موعدهما بقليل لكن الأطباء تمكنوا من إنقاذهما. هما الآن في الحضانة بخير والحمد لله.
حينها سالت دموعي بلا إرادة.
كنت أرتجف لا من الألم بل من الفرح الممزوج بالخوف.
لم أكن أصدق أنهما بخير.
شعرت وكأن الله منحني حياة جديدة لي ولهما معا.
لكن شيئا في صدري
نظرت إلى الممرضة وسألت بصوت مرتجف
وزوجي أين دانييل
تبدل وجهها للحظة وبدت مترددة قبل أن تقول بخجل
هو في قاعة الانتظار لكن من الأفضل أن ترتاحي قليلا قبل أن يدخل.
أدركت حينها أن وراء صمتها شيئا ما.
همست بعناد رغم ضعفي
لا دعيه يدخل الآن.
لم تمر سوى لحظات حتى فتح الباب ببطء.
دخل دانييل.
كان وجهه شاحبا كأنه لم ينم منذ أيام وعيناه حمراوان من السهر والندم.
وقف عند الباب مترددا لا يجرؤ على الاقتراب.
نظرت إليه طويلا ولم أجد في داخلي سوى فراغ وصمت موجع.
حتى كسره هو بصوت مكسور
سارة أنا آسف. والله لم أكن أتصور أنك فعلا على وشك الولادة. أمي قالت إنك تبالغين.
كلماته سقطت علي كصفعة.
أمك قالت! صرخت رغم وجعي. وأنت أين كنت وأنا أنزف على الأرض!
خفض رأسه ولم ينطق.
كان الخجل واضحا في عينيه كأنه يدرك الآن حجم الخطيئة التي ارتكبها.
وفجأة انفتح الباب من جديد.
دخلت لورين حماتي.
أنوثتها المصطنعة كانت كما هي وملابسها الأنيقة لا تليق بممر مستشفى.
تقدمت بخطى
سمعت أنك بخير الحمد لله.
ألم أقل لك من قبل لم يكن طلقا حقيقيا.
نظرت إليها الممرضة بدهشة مكتومة أما أنا فاشتعل غضبي حتى شعرت بحرارة تسري في دمي.
قلت لها بصوت مرتجف من الألم والغضب
كنت أموت! كنت أنزف بين الحياة والموت بسبب عنادك!
التفتت إلي ببرود ثم وجهت كلامها لابنها
ترى إنها دائما تبالغ لتكسبك مني.
في تلك اللحظة انفجر دانييل لأول مرة منذ عرفته.
صرخ وصوته ارتجف بين الغضب والدموع
كفى يا أمي! كنت سأفقد زوجتي وطفلي بسببك! أنت السبب!
تجمدت لورين في مكانها بدت مصدومة من نبرته.
همست بصوت مكسور
أأنت ترفع صوتك علي من أجلها
لم ينظر إليها حتى واكتفى بقوله الهادئ الحازم
من أجل الحق.
خرجت من الغرفة بخطوات مرتبكة لأول مرة أراها مهزومة.
أما هو فاقترب مني ببطء جلس إلى جواري وأمسك يدي بيد مرتعشة وقال بصوت متهدج
لن أسامح نفسي أبدا يا سارة. كنت جبانا سمعت كلامها بدل أن أسمعك.
لكن أعدك من اليوم لن أسمح
كانت دموعي تنزل بهدوء لكن هذه المرة دون غضب.
كنت أتألم نعم لكن شيئا في قلبي بدأ يهدأ.
مددت يدي وربت على كفه كأنني أقول له دون كلام يكفيني أنك فهمت الآن.
بعد يومين سمحوا لي برؤية التوأم.
ولد وبنت صغيران كنسمة لكن عيونهما المفتوحة فيها حياة لم أرها من قبل.
اقترب دانييل منهما بخطوات مترددة وعيناه تلمعان بدموع صافية وقال لي
هذان معجزتنا يا سارة الحمد لله أنك كنت قوية.
ابتسمت رغم التعب ومددت يدي لألمس وجنة ابنتي الصغيرة.
كانت ناعمة كقطعة حرير ودفؤها اخترق كل الوجع.
همست لنفسي
يا رب اجعل حياتهما أرحم من التي عشتها واجعل حبهما أنقى من الخوف.
بقيت أنظر إليهما طويلا بينما هو يجلس بجانبي بصمت تملؤه الندامة والامتنان في آن واحد.
شعرت كأن الزمن توقف لحظة هدوء أخير بعد عاصفة طويلة.
في المساء حين أطفئت الأنوار في الجناح وبقي ضوء خافت فقط التفت إليه وقلت
تعرف يا دانييل الحب الحقيقي لا يقاس بالكلمات ولا بالوعود.
هو في تلك اللحظة
ابتسم لي