اليوم الذي اكتشفت فيه أن المرأة المجنونة التي تلاحقني بعد المدرسة كانت أمي

لمحة نيوز

اليوم الذي اكتشفت فيه أن المرأة المجنونة التي تلاحقني بعد المدرسة كانت أمي!
تجمدت قدماها عند العتبة وارتجفت شفتاها وهي تراقب قطرات المطر تسيل على وجنتي المرأة. مرت ثانية طويلة كأنها عام كامل ثم سمعت أنفاسها تتسارع في صدرها 
بينما كانت تهمس في أعماقها صدقيها
تراجعت خطوة إلى الداخل فتقدمت المرأة الأخرى خطوة صغيرة حافية القدمين مبللة بالمطر لكنها ثابتة كمن انتظر هذه اللحظة طوال العمر.
ارتفع صوت خالتها من عمق الصالة متكسرا بين الذنب والخوف 
ثاندي ادخلي إلى الداخل!
لكنها لم تتحرك.
ظلت تمسك بمقبض الباب وتحدق في وجه المرأة التي قالت إنها أمها.
كانت في عينيها تلك اللمعة الغريبة ليست جنونا ولا تيها بل معرفة قديمة كضوء بعيد تعرفه الروح قبل أن يدركه العقل.
قالت ثاندي بصوت خافت لا يشبه صوتها المعتاد 
هل تملكين ما يثبت أنك أمي
أدخلت المرأة يدها في جيب فستانها البالي وأخرجت صورة صغيرة مهترئة الحواف.
كانت صورة رضيع ملفوف في بطانية صفراء وعلى ظهر الصورة كتب بخط مرتجف 
ثانديويه نكوما نجمتي.
تجمدت أنفاس ثاندي وهي تقلب الصورة بين أصابعها المرتجفة.
وفي الزاوية اليسرى من الصورة ظهرت شامة صغيرة تحت الأذن الشامة نفسها التي اعتادت إخفاءها بشعرها منذ الطفولة.
جاءت الخالة مسرعة وانتزعت الصورة

بعصبية لكن حين وقعت عيناها على الاسم انكسرت في وجهها شرارة المقاومة.
جلست على أقرب كرسي كأن ركبتيها خانتاها وقالت بصوت مبحوح وهي تحدق في الأرض 
لم أقل لك كل الحقيقة.
حين مات والدك انهارت أمك تماما.
لم يكن لدينا سوى بيت صغير وديون كثيرة.
قالت لنا الجهات الاجتماعية إن الطفلة يجب أن تسلم إلى رعاية مؤقتة.
خفت أن أفقدك فقلت لهم إنك ابنتي حتى أستطيع الاحتفاظ بك.
ووعدوني بأنهم سيبلغون أمك عندما تستقر.
لكنها اختفت ومنذ ذلك اليوم انكسر شيء بداخلي.
رفعت رأسها ببطء نحو المرأة الواقفة عند الباب وسألتها بصوت متهدج 
هل بحثت عنا طوال هذه السنين
هزت المرأة رأسها والدموع تمتزج بالمطر وهي تهمس 
كل يوم
كنت أجيء إلى بوابة المدرسة أقف تحت شجرة الجاكراندا قرب الجسر أحفظ خطوات ابنتي من بعيد.
وحين كانوا يطردونني من المكان كنت أعود في اليوم التالي.
كنت أراها تكبر دون أن ألمس يديها.
انفجر شيء صلب داخل صدر ثاندي شيء كانت تبنيه منذ أعوام لتنجو.
تصدعت طبقة سميكة من الإنكار وبدأ دفء مؤلم يتسلل إلى أعماقها.
التفتت نحو خالتها وقالت بصوت مرتجف 
لماذا لم تخبريني لماذا تركتني أصدق أنها مجنونة وتطاردني
أجابت الخالة بصوت مبحوح 
كنت خائفة عليك وخائفة منك أيضا.
كلما كبرت كان اللوم يكبر معك.
لم أستطع
مواجهتك.
ثم وضعت الصورة في يد ثاندي برفق كما لو كانت تقدم اعتذارا لا يقال.
وقفت ثاندي جانبا وفتحت الباب على اتساعه.
ادخلي.
ترددت الأم لحظة كأنها تستأذن هواء البيت قبل أرضه ثم دخلت بخطوات بطيئة.
تركت ثاندي الباب خلفها مفتوحا والمطر يتكفل بمحو آثار الشارع عن العتبة.
في الصالة امتزجت روائح الشاي القديم بالمطر والملح.
جلست الأم على حافة المقعد مستقيمة الظهر رغم التعب ووضعت على ركبتها دمية قماشية قديمة دب فقد إحدى عينيه كأنها تحمل هوية أخرى تبرهن بها على وجودها.
قالت ثاندي فجأة بصوت متردد 
علميني الأغنية.
ارتعشت شفة الأم ثم همست بلحن بسيط هو ذاته الذي ظل يطارد ليالي ثاندي في أحلامها 
نامي يا نجمتي الليل قصير
وغدا يطلع الفجر على وجهك نور.
لم تحتج ثاندي لأكثر من شطرين.
سقطت دموعها بسرعة لم تعرفها من قبل وضعت كفها على صدرها لتكبح شهقة خرجت رغما عنها.
قالت الأم وهي تمد يدها بخجل 
هل أستطيع
لم تجبها بالكلام بل جلست قربها بما يكفي ليتلامس كتفان
ثم سمحت ليد خشنة متعبة أن تلمس خدها لمرة أخيرة كأنها تكمل حلقة ناقصة منذ سنين طويلة.
في اليوم التالي ذهبت ثاندي مع خالتها وأمها إلى مركز مجتمعي قريب.
تحدثن مع الأخصائية الاجتماعية التي أعادت فتح ملف قديم يحمل اسما مطموسا وعنوانا تغير كثيرا.

طلبت منهن شهادات وصور وهوية وسئلت الأم عن سنوات الضياع عن عمل مؤقت تحت الجسر وعن الليالي التي نامت فيها قرب مركز الشرطة لتشعر بالأمان.
لم تفهم ثاندي كل الإجراءات لكنها أدركت أمرا واحدا 
أنه حان الوقت لتمنح أمها اسمها من جديد رسميا هذه المرة لا كهمس على الرصيف.
مرت أسابيع من اللقاءات المنظمة في المكتبة العامة أو في حديقة صغيرة بين شارعين.
كانت ثاندي تحضر دفاترها وتذاكر وأمها تجلس مقابلها تراقب حركة قلم الرصاص وهي تكتب ثم تسألها 
هل ما زلت تحلمين أن تصبحي صحفية
فتضحك ثاندي بدهشة 
كيف عرفت
فتجيب الأم بابتسامة دافئة 
من طريقتك في الحكي من يكتب بهذه الطريقة يحلم أن يسمع العالم صوته.
كانت تلك الجمل الصغيرة تشبه ضمادات دقيقة تلصق الشقوق التي خلفتها السنوات دون أن تؤلمها.
لكن بقيت لحظات الارتباك أيضا.
في بعض الأيام كانت الأم تنسى التاريخ أو تتلعثم حين تسأل عن عنوان قديم فتضيق عينا الأخصائية الاجتماعية شكا.
وكانت ثاندي عندها تضع يدها فوق يد أمها وتقول بثبات 
لا يهم العنوان أنا العنوان.
فتتسع عينا الأم بابتسامة مرتجفة وتتمتم بخشوع 
الحمد لله
بدأت ثاندي تدخل أمها ببطء في تفاصيل يومها الصغيرة كمن يفتح نافذة على العالم بعد غياب طويل.
كانت تريها صورة من عرض المدرسة
ومقطعا من مقالة كتبتها عن الشجاعة وتشاركها رائحة شوربة دافئة في وعاء صغير
تم نسخ الرابط