اليوم الذي اكتشفت فيه أن المرأة المجنونة التي تلاحقني بعد المدرسة كانت أمي
تحمله معها كل مساء وقميصا نظيفا اشترته من مصروف كانت تدخره لشيء آخر.
وفي المقابل فتحت الأم صندوقا خشبيا صغيرا كانت تخبئه ككنز من فتات الماضي بداخله قرط مكسور احتفظت به لأنها كانت ترتديه يوم ولدت ثاندي وورقة صفراء كتب عليها تاريخ الميلاد بخط قابلة قديمة وخيط أصفر قصير كانت تربطه حول معصم الرضيعة للحفظ والبركة.
في إحدى الأمسيات طلبت ثاندي أن يسيروا سويا إلى الجسر القديم.
الطريق الذي كان يوما ممرا للخوف صار الآن ممرا بطيئا للنور.
وقفت الأم عند الدرابزين الصدئ تنظر إلى الماء المعتم وقالت بصوت يختلط فيه الدعاء بالذكرى
هنا كنت أدعو لم أكن أعلم لمن أدعو بالضبط.
كنت أقول يا رب أعد إلي اسمي.
أنا اسمي أم.
أمسكت ثاندي بذراعها وأمالت رأسها على كتفها وهمست
رجع اسمك يا أمي.
لم يكن كل شيء سهلا بعد ذلك.
بعض الجيران ظلوا يتهامسون حين يرون الأم تقف أمام البيت تحمل كيسا من الخبز والبرتقال.
وبعض زميلات المدرسة سألن بأسئلة فضولية مؤلمة.
وفي إحدى الليالي عادت ثاندي تبكي بعد تعليقات ساخرة على منصات التواصل عن المرأة الغريبة التي تزورها.
جلست الأم أمامها في الحديقة الخلفية وقالت بهدوء يملؤه الحكمة
الناس أحيانا تخاف من الذي لا تعرفه ونحن كنا لبعضنا مجهولتين.
تعالي
مسحت ثاندي دموعها وضحكت من بين شهقاتها
من أين تتعلمين هذا الكلام الجميل
فابتسمت الأم وقالت
منك. كل أم تتعلم من ابنتها.
مر شهران حصلت خلالهما الأم على بطاقة هوية مؤقتة وعنوان إقامة في مأوى نظيف يدعمه المركز.
وبعد ثلاثة أشهر التحقت ببرنامج علاج نفسي جماعي ثم بدورة قصيرة لتعلم إعداد الوجبات البسيطة في مطبخ أحد الملاجئ لخدمة المرضى والمشردين.
صارت تعود كل ليلة إلى البيت تحمل على كفيها رائحة الخبز الساخن فتأخذ ثاندي يديها إلى وجهها كأنها تقول أنا شبعت يا أمي.
وفي صباح يوم شتوي فتحت ثاندي خزانتها وأخرجت البطانية الصفراء القديمة التي كانت ترفض رميها منذ طفولتها رغم سخرية الجميع منها.
غسلتها بعناية فائقة ثم وضعتها في حقيبة قماشية وقدمتها إلى أمها.
أخذت الأم البطانية بيديها المرتجفتين تمرر أصابعها فوق خيوطها الباهتة كمن يستعيد ذرات ضوء قديم ثم قالت بصوت مختنق بالعبرات
أخيرا عاد الدفء إلى مكانه.
وجاء اليوم المنتظر.
وقفت ثاندي وخالتها بجوار الأم أمام موظفة مدنية تراجع الأوراق الرسمية.
رفعت الموظفة رأسها مبتسمة وقالت
العلاقة العائلية موثقة. يحق لكم الآن الزيارة والمرافقة رسميا.
شكرت الخالة الموظفة ثم التفتت نحو
سامحيني.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة ردت الأم لا بالكلمات بل بعناق طويل أنهى نصف معركة في القلب.
أما ثاندي فكانت تراقب المشهد بعينين دامعتين وتفهم أن العائلة ليست وثيقة مختومة فحسب بل قرار يعاد اختياره كل يوم.
في المساء جلست الثلاثة تحت شجرة الجاكراندا نفسها.
علمت الأم الخالة اللحن القديم فضحكتا حين أخطأت الخالة النغمة فأعادت الأم اللازمة ببطء ثم دخلت ثاندي بصوتها في المنتصف.
كان المشهد بسيطا حد الإعجاز
ثلاث نساء يداوين ما انكسر بالغناء.
بعد أسبوع كتبت ثاندي مقالة في صحيفة المدرسة بعنوان
المرأة التي كانت تبدو مجنونة.
لم تذكر أسماء ولم تشر إلى عناوين لكنها كتبت عن كيف يمكن للحب أن يضل طريقه ثم يعود
وكيف يختبئ الخوف أحيانا خلف قناع السخرية
وكيف تحتاج الحقيقة إلى شجاعة مضاعفة حين تأتي في هيئة أم متعبة تقف عند باب بيتك.
حين سلمت المعلمة المقال قرأته بصمت طويل ثم أعادته إليها مرفقا بورقة صغيرة كتب عليها
أنت لا تكتبين قصة يا ثاندي
أنت تعيدين تعريف كلمة بيت.
في ليلة هادئة قبل الامتحانات بأيام قليلة نامت ثاندي على كنبة الصالة وقد غلبها التعب بعد مراجعة طويلة.
اقتربت أمها منها بهدوء يشبه الصلاة وغطتها بالبطانية الصفراء التي صارت رمزا
توقفت لحظة عند طرفها البالي مررت أصابعها على الشريط المتهالك ثم همست بصوت مفعم بالحنان
نامي يا نجمتي الليل قصير.
لم تفتح ثاندي عينيها لكنها ابتسمت.
لم تعد الأغنية حزنا يطاردها كما في طفولتها بل جسرا تمشي عليه كلما خافت أن تتوه.
وحين هطل المطر من جديد لم يعد صوت الطرق على الزجاج مخيفا كما كان.
فتحت ثاندي الباب وخرجت مع أمها إلى العتبة القديمة.
تركتا المطر يغسل وجهيهما وضحكتا مثل طفلتين تحررتا من الخوف.
قالت الأم وهي تنظر إلى السماء
الماء هذا يزيل الغبار.
فأجابتها ثاندي مبتسمة
ويبقي الأثر الأثر الجميل.
شدت الأم على يدها وقالت بصوت مفعم باليقين
الأثر هو ما يعرفنا الطريق إن ضعنا ثانية.
ولم تعد تلك المرأة المجنونة التي كانت تعرف في شارع مارولا.
صار لها اسم ينادى به وموعد أسبوعي مع ابنتها وصوت يصدقه الناس حين تغني.
ولم تعد ثاندي تلك الطفلة التي تهرب من ظل الأسئلة
بل أصبحت الشابة التي تتقدم حين يخاف الآخرون
تمد يديها وتقول بثبات
أنا هنا.
وفي آخر صفحة من دفترها كتبت بخط واضح لا يرتجف
لم تكن مجنونة كانت أما.
ولم أكن يتيمة كنت أبحث عن لغة القلب حتى سمعتها.
ثم أغلقت الدفتر بهدوء
ووضعت الصورة القديمة بين صفحاته
تماما كما لا يطوى النور حين يجد طريقه أخيرا إلى البيت.