بعمر 19 سنة فقط… وجدت نفسها عروسًا لشيخٍ يبلغ 75 عامًا، في صفقة يائسة لإنقاذ عائلتها
ذلك الشاهد يا إيميلي.
شهقت بحدة وضعت يدها على صدرها كأنها تمنع قلبها من الانفجار.
أنا... كنت المصيدة كنت الأداة
أغلق زين عينيه للحظة كأنه لا يحتمل النظر إليها ثم قال بصوت مكسور رغم صلابته
نعم.
انكمشت في مكانها كأن الجدران أطبقت عليها.
الهواء صار أثقل من أن يتنفس والدموع تتساقط كأنها تفر من وجهها لا منه.
قال زين بعد صمت طويل
وأنا... لم أكن أعلم.
كنت أظنك طرفا في الجريمة ظننت أنك السبب في دمار عائلتي...
لكن الحقيقة
اقترب منها ووضع يده على يدها لأول مرة.
كانت يده دافئة ثابتة كأنها تحمل سنوات من الذنب والارتباك.
الحقيقة أنك أكثر من ظلم في هذه القصة.
تكسر صوتها وهي تهمس
لماذا لماذا فعلوا بي هذا
تنفس زين بعمق وقال بصوت خافت لكنه حاد
لأنك كنت أسهل من يمكن التضحية به.
لا عائلة قوية تحميك ولا نفوذ ولا أحد يسأل عنك.
انفجرت في بكاء مكتوم دفنت وجهها بين كفيها بينما ظل زين صامتا يراقبها بعينين يغمرهما الأسى يمنحها دقيقة لتلتقط أنفاسها.
وبعد لحظات قال بنبرة مختلفة فيها شيء من التوتر والخطر
إيميلي... هناك أمر آخر يجب أن تعرفيه.
رفعت رأسها بصعوبة وجهها مبلل بالدموع
ماذا هناك
مد يده إلى جيبه ببطء وأخرج ورقة قديمة أقدم من الأولى مهترئة الحواف كأنها شهدت حريقا وقال بصوت خافت
يوسف... لم يترك ورقة واحدة فقط.
ترك اثنتين.
شهقت وهي تنظر إلى الورقة وقلبها يخفق بقوة تكاد تسمعها أذناها.
فتح زين الورقة بعناية شديدة وكأنه يخشى أن تنفجر بين يديه ثم ناولها لها.
أمسكتها إيميلي وعيناها تتحركان بسرعة بين الكلمات حتى توقفت فجأة.
على الورقة جملة قصيرة بخط مرتجف
ليست سارة وحدها... هناك من هو أعلى منها.
تجمدت شهقت ثم رفعت عينيها نحو زين شفتيها ترتجفان
أعلى منها يعني... شخص آخر
أومأ زين ببطء وصوته خرج كالهمس المخيف
نعم. هناك من كان يدير كل شيء من البداية.
من خطط للزواج وللجريمة وللصفقة...
من أنقذ سارة وورطك أنت.
اقترب منها خطوة بخطوة عيناه تلمعان بشيء يشبه الحقيقة التي لا تقال إلا مرة واحدة في العمر.
قال بصوت منخفض يقطر رهبة
وذلك الشخص... ما زال على قيد
وما زال يخافك.
وما زال يريد التخلص منك.
تسعت عيناها وسقطت الورقة من يدها وارتجف جسدها كأن الصقيع اخترق عظامها.
تراجعت خطوة إلى الوراء وصوتها خرج مرتجفا كأنما من بئر بعيدة
من... يكون
وقف زين أمامها ينظر مباشرة في عينيها كأنه يفتش عن آخر ذرة صدق بداخلها.
قال بوضوح لا يحتمل التأويل
الليلة يا إيميلي ستعرفين من هو.
حين نطقها أحست كأن الجدران القديمة للقصر تضيق وتتنفس معا. الهواء صار أثقل والوقت بدا وكأنه توقف لبرهة.
تردد صوتها المرتعش
الليلة
لكن زين لم يجب. اكتفى بأن دار نحو الباب وفتحه ثم نظر إليها نظرة سريعة من فوق كتفه
ارتدي ملابسك هناك مكان يجب أن تذهبي إليه معي.
خرجت خلفه بخطوات مضطربة. كان عقلها يركض في اتجاه وجسدها يسير في آخر. الممر الطويل الذي نزلا فيه كان مضاء بأنوار باهتة تلقي ظلالا مرتجفة على الجدران والهواء البارد يلسع وجهيهما.
حتى الخدم حين رأوهما تراجع بعضهم وشيح آخرون بنظراتهم كأن شيئا رهيبا على وشك الحدوث.
خرج زين بها من باب خلفي إلى ساحة صغيرة تحيط بها أشجار النخيل. كان الليل ساكنا أكثر من اللازم. هناك في منتصف الظل وقف رجل ينتظرهما.
لم تبصر ملامحه في البداية لكن حين تقدم خطوتين جمد الدم في عروقها.
كان الرجل المحامي سامي.
الرجل الذي رافقها من المطار.
الذي وقع على عقد الزواج.
الذي ظهر في كل ورقة قانونية وفي كل لحظة مشؤومة من حياتها.
تبادل نظرة قصيرة مع زين وقال ببرود كأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن
أحضرتها معك إذا
رد زين بنبرة مشوبة بالسخرية والتهديد
كما طلبت. الآن احك لها كل شيء يا أستاذ سامي.
التفت سامي نحوها ببطء ونظره كأنه يحدق في قطعة شطرنج لا في إنسانة.
إيميلي هل ظننت يوما أن زواجك من الشيخ كان صدفة
ارتجف صوتها
أبي وأمي قالا لي إن
قاطعها بابتسامة باهتة باردة
قالا لك إن الزواج سينقذ المصنع أليس كذلك يا له من كذب متقن.
أبوك لم يكن ليبيع مصنع العائلة ولا ليزوج ابنته ذات التسعة عشر عاما من رجل يكبرها بخمسين عاما إلا إذا كان شريكا.
شهقت وهي تضع يدها على صدرها
شريك!
تدخل زين بصوت مبحوح
نعم شريك. والدك
صرخت إيميلي
لكن لماذا أنا ما ذنبي
رفع سامي يده بهدوء كأنه يشرح مسألة بسيطة
لأنك أجنبية بريئة المظهر يسهل تصديقك. ولأنك لم تكوني تملكين شيئا فكنت الأرخص في الصفقة.
اهتز جسدها ودموعها انسكبت بلا مقاومة.
زين ظل صامتا عينيه تحترقان غضبا وهو ينظر إلى سامي كأنه يريد تمزيقه.
واصل سامي ببرود قاتل
سارة هي من قتلت يوسف. أنا رتبت تنظيف المكان. ووالداك هما من باعاك.
ارتجفت شفتاها وهمست
هذا مستحيل.
بل هو الحقيقة الوحيدة قالها بابتسامة غامقة.
رفع عينيه نحو زين
الشيخ طارق كان سيكشف فساد سارة ويوسف كان يملك الأدلة. لذلك كان لا بد من التخلص منه بسيناريو مقنع.
ثم نظر إليها مجددا
كنت أنت الشاهدة. سمعت ما أردنا أن تسمعيه ورأيت ما جعلناك تظنين أنك رأيته.
كانت إيميلي تكاد تنهار.
قالت بصوت مبحوح
لماذا أحضرتموني الليلة إذن
تقدم سامي خطوة وقال ببرود
لأننا سنغلق الملف كله. أمامك خياران
تشهدين بأن الشيخ طارق هو من قتل يوسف فننهي الأمر إلى الأبد
أو
أو ماذا
أو نغلق فمك إلى الأبد.
تجمد المكان.
حتى القمر بدا كأنه انكمش خلف الغيوم.
نظر زين إليها عينيه تمتلئان بالحزن والغضب وكأنه يعتذر بصمت.
بينما سامي ابتسم ابتسامة مائلة وقال بهدوء
اختاري يا إيميلي قبل أن يختارك القدر.
صرخ زين فجأة صوته اخترق سكون الليل
ولا كلمة أخرى يا سامي!
ابتسم سامي بسخرية مقيتة وقال ببرود
يا بني هذه ليست قصتك إنها قصة عائلتك.
تقدم زين نحوه الغضب يشتعل في عينيه
إن لمسها أحد
قاطعه سامي بابتسامة أوسع
ستموت كما مات يوسف.
ولم تمض لحظة حتى انفجرت الفوضى.
انقض زين على سامي بينما الأخير أخرج سلاحا صغيرا من جيبه.
صرخت إيميلي وصدى صرختها ارتد في أرجاء القصر.
اقترب الحراس من بعيد لكن زين كان أسرع.
خطف السلاح من يد سامي وقلبه أرضا.
ارتطم جسد سامي بالرخام البارد وزين فوقه يده تضغط على عنقه كمن ينتزع الحقيقة من بين أنفاسه.
اعترف أمامها!
كان صوت زين زئيرا يشق الصمت ويمزق جدار الخوف.
حاول سامي
صرخ سامي بصوت مبحوح تتقطع أنفاسه بين الكلمات
سارة هي من قتلت يوسف!
وأبوك وافق... لينقذ نفسه!
تركه زين فجأة يلهث وقد اشتعل صدره بأنفاس متلاحقة.
تراجع سامي زاحفا إلى الخلف نظر إليهما بنظرة مسمومة وقال
مهما فعلتما... الحقيقة كتبت بالفعل.
ثم نهض مترنحا وهرب والحراس اندفعوا خلفه.
لكن المشهد الحقيقي لم يكن هروبه... بل ما أعقبه.
كانت إيميلي واقفة ترتجف تنظر إلى زين كما لو تراه للمرة الأولى.
كأنها تحاول أن تدرك من يقف أمامها الآن عدو أم نجاة
اقترب منها ببطء وعيناه تلمعان بمزيج من الحزن والصدق.
قال بصوت مبحوح متردد بين القوة والانكسار
إيميلي... أنت حرة.
هزت رأسها نفيا ودموعها تنساب على وجنتيها كجمر ذائب
حرة بعد أن بعت وسجنت وتشوه اسمي وصرت أداة في أيديهم
اقترب خطوة أخرى وقال بثبات عميق
لن أتركك... لا أنا ولا الحقيقة.
رفعت نظرها نحوه بدهشة مرتجفة
لماذا لقد كان بيننا كره وصراع لا ينتهي.
تنفس زين ببطء وصوته خرج أقرب إلى اعتراف دام
لأنني حين أدركت أنك كنت ضحية... لم يعد قلبي قادرا على مواصلة الحرب.
تسعت عيناها وكأن تلك الكلمات كسرت جدارا بني داخلها لسنوات طويلة.
اقترب منها أكثر وهمس
كما احتاجوك في خططهم... أحتاجك أنا.
وفي تلك اللحظة دوت صفارات الشرطة في الأفق.
التفت زين نحو الصوت وقال بهدوء مفعم باليقين
سامي سقط... وسارة لن تهرب بعد الآن.
همست إيميلي بصوت خافت متردد
وأنا
ابتسم زين ابتسامة خفيفة لكنها صادقة وقال
أنت من ستنهين القصة.
اقترب منها ووضع يده على خدها برفق كأنه يخاف أن يوقظ جرحا نائما وقال
والليلة... لن تكتشفي فقط من كان يحرك اللعبة
بل ستعرفين بدايتك الجديدة.
انهمرت دموعها مجددا لكن للمرة الأولى لم تكن دموع خوف أو ضعف
بل دموعا تشبه المطر الأول بعد الجفاف الطويل... دموع حرية.
نظرت إليه طويلا وفهمت دون أن ينطق
أن كل ما انهار كان لا بد أن ينهار
ليفسح الطريق لشيء جديد يولد من تحته.
الليلة التي بدأت بالخوف... ستنتهي بالنجاة.
ولأول مرة منذ سبع سنوات تنفست
وشعرت أن قلبها ينبض حقا... وأنها ما زالت حية.
القصة التي بدأت بزواج مشؤوم وانتهت بجريمة
تتحول الآن إلى حكاية أخرى تماما...
حكاية على وشك أن تبدأ.