الفتاة المسكينة التي أنقذت الطفل المهجور... ولم تكن تعلم أنه ابن أشهر رجل أعمال في البلاد
الفتاة المسكينة التي أنقذت الطفل المهجور... ولم تكن تعلم أنه ابن أشهر رجل أعمال في البلاد! كان صباح يونيو باردا مدينة مكسيكو.
كانت السماء هذا الصباح غارقة تحت طبقات كثيفة من الغيوم الرمادية وكأن المدينة كلها محاصرة بسقف من الحزن يهبط ببطء فوق رؤوس أهلها. رياح باردة كانت تجوب شوارع حي روما الضيقة تحرك الأتربة وترفع أطراف الأكياس البلاستيكية المهملة وتصفر بين النوافذ المكسورة كأنها تحذر من شيء قادم.
وسط هذا الجو الكئيب كانت آنا لوسيا تمشي بخطوات مرهقة نحو منزلها. تلك الفتاة ذات الاثنين والعشرين عاما قضت لتوها نوبة عمل قاسية في المخبز الصغير الذي تعمل فيه نوبة مثل المئات التي سبقتها لكنها في كل مرة كانت تخرج منه منهكة أكثر من المرة السابقة. كانت رائحة الخبز والمعجنات عالقة في ملابسها والدقيق يغطي يديها وذيل قميصها الأبيض الذي فقد لونه الأصلي منذ شهور. أما كتفاها فكانا يهبطان من شدة التعب لكن داخل صدرها كان هناك قلب صغير لا يزال يقاوم لا يزال متمسكا ببصيص ضوء لم يعرف الانطفاء.
لم تكن آنا من أصحاب الحظ الكبير في هذه الحياة لكنها من أصحاب القلوب التي لا تتوقف عن الإيمان بأن الغد قد يحمل شيئا أفضل ولو كان ذلك الخير ضئيلا كنفس جديد.
وبينما
صرخة.
ليست صرخة قوية بل خافتة مكتومة كأن صاحبها يخشى أن يسمعه أحد لكنها في الوقت نفسه ملحة جدا تحمل ألما وخوفا في آن واحد.
توقف جسد آنا وارتفع صدرها بحدة من المفاجأة. التفتت يمينا ويسارا ولم تجد أحدا. الشارع كان خاليا تماما إلا من بعض الدراجات القديمة الملقاة على الجدران وبقايا مطر الليل السابق.
الصوت تكرر.
أقرب هذه المرة.
اتبعت آنا مصدر الصوت بخطوات حذرة حتى وصلت إلى سلة مهملات معدنية يقف بجوارها صندوق كرتوني مائل على أحد جانبيه وكأنه وضع بسرعة أو بإهمال.
كسرت الرياح غطاء الصمت لكنها لم تستطع منعها من الاقتراب.
انحنت ببطء ووضعت يدا مرتجفة على طرف الصندوق ثم رفعت الغطاء القماشي الذي كان موضوعا فوقه بطريقة رديئة.
وفي اللحظة التي كشف فيها الغطاء جمدت أنفاسها في صدرها.
في الداخل
كان هناك طفل صغير لا يتجاوز بضعة أشهر. وجهه أبيض كالحليب وخداه ورديتان من شدة البرد وجسده ملفوف ببطانية رقيقة إلى حد لا يكفي لصد نسمة فكيف بريح هذا الفجر كانت شفتاه ترتجفان وصوته بالكاد يخرج لكنه كان يحاول يحاول أن ينتبه أحد لوجوده قبل أن يختفي صوته إلى الأبد.
رفعت آنا يدها إلى فمها من شدة الصدمة
يا
وفي اللحظة التي حملته فيها بين ذراعيها توقف بكاؤه وانكمش جسده نحو صدرها كأنه وجد أخيرا دفئا يشبه الحياة.
رفعت رأسها تبحث عن أي شخص أي حركة أي أثر يدل على أن الطفل لم يترك هنا عمدا لكن الشوارع كانت فارغة تماما. حتى النوافذ المغلقة لم يظهر خلفها ظل واحد.
ترددت لثانية ثم حسمت قرارها دون تفكير.
اخدت الطفل إلى صدرها بقوة وركضت إلى منزلها.
منزل آنا كان غرفة صغيرة فوق سطح بناية قديمة. جدران متشققة نافذة تهتز مع كل هبة ريح وسرير بسيط لا يعرف معنى الراحة. ومع ذلك كان هذا المكان الفقير أكثر أمانا من ترك طفل وحيد في الشارع.
أشعلت الموقد الصغير وسخنت قليلا من الحليب الذي بقي معها من ليل أمس ثم ارتجلت زجاجة بقطعة قماش وملعقة صغيرة. جلست على سريرها القديم وبدأت تطعمه بحنان لم تمارسه يوما إلا مع إخوتها الصغار.
كان الطفل ينظر إليها بعينين نصف مغمضتين كأن روحه الصغيرة تحاول التمسك بالبقاء.
همست له وهي تمسح رأسه
لا أعرف من تركك هكذا يا ملاكي ولا أعرف ماذا حدث لك لكنني أعدك لن أتركك وحدك.
حين انتهى من الرضاعة انتبهت آنا لشيء
الطفل جميل جدا.
معتنى به سابقا.
ملابسه رغم بساطتها ليست رخيصة.
وجهه لا يشبه أطفال الشوارع.
وكأن خيطا من القدر مر أمام عقلها لحظة
لكنها هزت رأسها وطردت الأفكار. المهم الآن أنه آمن.
في تلك الليلة قررت آنا أن تمنحه اسما. نظرت إليه طويلا تبحث في ملامحه الصغيرة عن كلمة تليق به. ثم ابتسمت
سأسميك لوكاس.
لم تعرف أن اسمه الحقيقي ميغيل فيلاسينور وأنه ليس طفلا عاديا بل الوريث الوحيد لثروة هائلة وأن اختفاءه في هذا الصباح الغائم سيشعل نارا لا تطفئ في الطرف الآخر من المدينة.
لكن هذا كان بداية الحكاية فقط.
بينما كانت آنا لوسيا تأخذ الطفل الصغير إلى صدرها في غرفتها المتواضعة بحي روما كان المشهد مختلفا تماما في الطرف الآخر من المدينة في منطقة بولانكو حيث الأبراج الزجاجية اللامعة والمكاتب الواسعة التي تشبه عوالم أخرى لا تمت لفقر الأحياء القديمة بصلة.
في الدور العلوي لمبنى فخم يطل على المدينة كان إدواردو فيلاسينور واحد من أثرى رجال الأعمال في البلاد يقف على شرفة مكتبه راحته غير مستقرة وصدره يعلو ويهبط بأنفاس متقطعة. كان الرجل الذي عرفه الجميع قويا صارما لا تهتز يده حتى وهو يوقع على صفقات بملايين الدولارات يقف الآن كمن انكسر ظهره.
ارتجفت يداه وهو يمسك بدرابزين الشرفة ووجهه الذي كان دائما منضبطا صار شاحبا كأنه لم ينم منذ أيام. شعره الأسود المنسق بعناية بدا فوضويا اليوم وقميصه الفاخر
خلفه