أرملة وحيدة اشترت ثلاثة أيتام بأكياس على رؤوسهم وأحدهم غير كل شي

لمحة نيوز

رأسه وقال بصوت خافت مبحوح كأن الكلام يؤلمه 
لماذا أخذتنا
لم تتوقع السؤال. التفتت إليه ببطء ورأت في عينيه شيئا لم تفهمه ليس خوفا ولا امتنانا بل رغبة ملحة لفهم سبب وجوده هنا.
قالت بصراحة بسيطة 
لأنني رأيتكم واقفين وحدكم ولم أستطع أن أترككم هكذا.
سأل مرة أخرى بصوت أثقل 
وهل تريدين منا شيئا
اقتربت خطوة إلى الأمام وقالت بوضوح شديد 
لا. لا أريد شيئا. فقط ألا تؤذوا أحدا ولا تؤذوا أنفسكم.
سكت الثلاثة. كان الصمت هذه المرة أعمق من كل ما سبق.
ثم قال الأصغر وكأنه يترجم ما لم يقله الآخران 
سنحاول.
ابتسمت مارتا بخفوت ابتسامة صغيرة جدا لكنها كانت أول ابتسامة منذ دفن زوجها.
وفي تلك اللحظة شعرت للمرة الأولى منذ سنوات أن البيت الذي ظل باردا جدا قد بدأ يدفأ قليلا بوجود ثلاثة أطفال مجهولين لا يعرفون أسماءهم ولا يعرفون لماذا اختارتهم دون غيرهم.
لكنها كانت تعرف شيئا واحدا فقط انها محتاجة هولاء الاطفال في حياتها.
مرت الأيام الأولى ببطء كأن الزمن نفسه يتردد في الدخول إلى حياة جديدة. لم تكن مارتا تعرف الكثير عن الأطفال ولم يعرفوا هم شيئا عن الحياة خارج خوفهم. لكنهم حاولوا جميعا كل بطريقته.
كان الأصغر إيلين الأكثر جرأة. يسأل عن
كل شيء وينظر إليها بثقة لا يفهمها أحد. أما الأوسط فكان يميل إلى الجلوس وحده يرسم دوائر صغيرة بقدمه على الأرض كأنه يحاول تذكر شيء ضائع. الأكبر كان كالصخرة يساعد يعمل يحمل الأخشاب لكن دون كلمة واحدة.
وفي إحدى الأمسيات جلست مارتا قرب الموقد الصغير الذي أشعلته من جديد بعد أن ترك باردا سنوات. كان الأطفال الثلاثة جالسين على بعد خطوات. قالت بصوت هادئ 
أريد من كل واحد منكم أن يختار لنفسه اسما اسما سيعيش به هنا ويعرفه الناس.
نظروا إليها في حيرة كأنها تطلب منهم ما هو أصعب من الكلام نفسه.
قالت وهي تتحدث إلى الأكبر 
أنت هل تريد أن تختار اسما
بقي صامتا لكنه هز رأسه بعدها للحظة. اقترب قليلا كأنه يريد أن يكون واضحا ثم قال بصوت مبحوح 
إذا كان لابد فاختاريه أنت.
تأملته طويلا. كان وجهه جامدا لكن عينيه تحملان رجاء صغيرا خجولا. قالت 
حسنا سأسميك آدم.
ارتجف جفناه ثم أومأ. لم يكن الاسم مهما لكن فكرة أن أحدا اختار له اسما دون تهديد أو مصلحة كانت جديدة عليه.
التفتت نحو الأوسط. كان يحدق في الأرض. قالت 
وأنت
رفع رأسه ببطء وقال بصوت خافت 
أريد اسما بسيطا لا ينسى.
فكرت قليلا ثم قالت 
ماذا عن يوسف
ابتسم يوسف ابتسامة صغيرة
وكأن شيئا جميلا عاد من مكان بعيد.
وأخيرا نظرت إلى الأصغر فقال قبل أن تسأل 
لدي اسمي بالفعل.
ضحكت بخفوت 
نعم يا إيلين أنت الوحيد الذي لم ينس نفسه.
مر العام الأول وتعلموا أشياء كثيرة كيف يزرعون الأرض الصغيرة خلف البيت كيف يشعلون النار كيف يطبخون وكيف يضحكون. نعم الضحك الشيء الذي لم تكن مارتا تظن أنها ستسمعه مجددا في بيتها.
لكن أهم ما حدث لم يكن في الأفعال بل في الثقة. شيئا فشيئا بدأ يوسف يتحدث وبدأ آدم يبتسم وبدأ إيلين ينام دون خوف.
وفي مساء شتاء بارد بينما كانت الرياح تضرب النوافذ قال آدم فجأة 
سيدتي هل يمكن أن أسأل سؤالا
رفعت رأسها من فوق الحطب وقالت 
بالطبع.
قال بصوت هادئ لكنه ثابت 
هل نحن أبناءك الآن
كانت الكلمات بسيطة لكنها ضربتها بقوة لا تتوقعها. لم تجب فورا. نظرت إلى الوجوه الثلاثة أمامها وجوه لم تعرف الحب يوما بالطريقة التي يجب أن يعرف بها.
قالت بصوت مرتجف قليلا 
إن كنتم تريدون ذلك فأنتم أبنائي.
لم يبك أحدهم. لم ينهضوا لمعانقتها. لم يصرخوا من الفرح. كل ما فعلوه هو أنهم جلسوا صامتين لكن ذلك الصمت كان أثقل من كل شيء صمت امتلأ بالراحة والطمأنينة والاختيار.
مرت السنوات. كبر آدم وأصبح أقوى من رجال
كثيرين. يوسف تعلم القراءة وصار يعاون المعلم في المدرسة. أما إيلين فقد بقي قلبه كما هو صغيرا مندهشا يرى الخير في كل شيء.
وفي ليلة ربيعية بعد أن صاروا شبابا جلست مارتا على مقعدها الخشبي أمام الباب تراقبهم يعملون في الحديقة. كانت الشمس تميل للغروب ولونها يصبغ العالم بذهبيات دافئة. اقتربوا منها واحدا واحدا.
قال يوسف 
سننتهي قبل الليل يا أمي.
ضحكت بخفوت. كلمة أمي كانت كفيلة بأن تخفف عمرا من الحزن.
اقترب آدم ووضع قطعة الخشب التي كان يحملها جانبا وقال 
هل تحتاجين شيئا
هزت رأسها نفيا ونظرت إليهم طويلا. ثم قالت 
أحتاج فقط إلى أن أعرف شيئا واحدا
ماذا يا أمي
هل كنتم سعداء
تبادلوا النظرات ثم تقدم إيلين خطوة ووضع يده فوق يدها وقال 
نحن لم نكن سعداء نحن أصبحنا بشرا هنا.
ثم أضاف بصوت أكثر رقة 
أنت لم تنقذينا بل علمتنا كيف نرى الحياة.
انحنت مارتا قليلا فقد شعرت بثقل الدموع في عينيها. قالت بصوت مكسور لكنه دافئ 
وأنتم لم تكونوا عبئا يوما. كنتم آخر فرصة لي لأعود أعيش.
وفي تلك اللحظة بينما كانت السماء تلون نفسها بألوان الغروب شعرت الأرملة الوحيدة التي خطت يوما نحو ثلاثة أطفال مجهولين أن ما فعلته لم يكن شفقة ولا مغامرة
ولا اندفاعا.
كان قدرا بسيطا قاد أربعة غرباء إلى بيت واحد ليصنعوا منه عائلة.

تم نسخ الرابط