وجه الأب المفقود الجزء الثاني والأخير
تجمد الزمن لثوان طويلة بينما كان جوناثان يحدق في الصبي الواقف بجوار ليلى. كانت ملامحه مألوفة
كأن الزمن دار دورة كاملة ليضع ماضيها أمام عينيها من جديد. تلك العينان طريقة الوقوف ذلك الهدوء المريب في ملامحه وحتى النظرة الفضولية التي طالما أرقتها كل شيء فيه بدا لها كمرآة تعكس مرحلة اعتقدت أنها انتهت منذ زمن بعيد.
ومع ذلك لم تمهله ليلى ثانية واحدة ليستجمع كلماته.
رفعت صينية المشروبات بخفة محسوبة وضعتها على الطاولة القريبة ثم أكملت عملها بخطوات ثابتة وكأن وجوده لا يعني شيئا. لم يكن هناك أثر لارتجافتها القديمة ولا لذلك الخوف الذي كان يسيطر عليها كلما دخل الغرفة. لقد أصبحت امرأة مختلفة امرأة تعرف مكانها وقيمتها ولا تسمح لأحد بانتزاعهما منها.
أما جوناثان فشعر بشيء يشبه الاختناق يتمدد في صدره.
لم يكن المشهد كما تخيله. لم يكن مستعدا ليرى امرأة قوية امرأة تغيرت كثيرا لدرجة شعر فيها أنه الغريب الوحيد.
حاول اللحاق بها لكنها كانت تتحرك بين الضيوف بثقة لا تشبه تلك التي عرفها فيها. كانت تبتسم لهم تتحدث برقة محسوبة وتقدم المشروبات وكأنها لا تحمل في قلبها أي ثقل. لكن كل نظرة منه
مرت دقائق ثقيلة قبل أن يجد فرصة لإعادة الاقتراب منها.
وحين دخل القاعة الخلفية وجدها هناك ترتب الأطباق وحدها وكأن العالم الخارجي لا يعنيها في تلك اللحظة.
قال بصوت هادئ متردد
ليلى نحتاج أن نتحدث.
لم ترفع عينيها بل اكتفت بالقول ببرود لم يعهده منها قط
في العمل لا أتحدث. أنا أعمل فقط.
اقترب خطوة صغيرة كمن يمشي فوق زجاج.
أرجوك مرت عشر سنوات. لدي الكثير لأقوله.
رفعت رأسها أخيرا ونظرت إليه بنظرة كانت أقوى مما يحتمله. نظرة لم تحمل غضبا بقدر ما حملت حقيقة واضحة
لقد تأخرت كثيرا.
قالت بصوت منخفض لكنه ثابت
وما الذي تريد قوله بالضبط أنك آسف أنك اكتشفت فجأة أنني كنت أستحق أكثر مما منحتني أم أنك فهمت متأخرا أنني إنسانة لا قطعة أثاث في شقتك الراقية
ابتلع كلماته. بدا عاجزا تماما عن الرد.
قال أخيرا وبصوت خافت
أريد أن أعرف الحقيقة فقط.
ثم أشار نحو الخارج حيث كان صبي صغير يقف عند باب القاعة ينظر إلى هاتفه الصغير.
هل هو
قاطعته قبل أن يكمل
لا. لن تسأل هذا السؤال. لأنك حين كان يهمك أن تعرف الحقيقة
ساد الصمت.
لكنه هز رأسه باستسلام لم يتوقعه منها كمن تلقى حكما لا مجال للطعن فيه.
قالت ليلى بعدها بصوت هادئ لكنه حاد كالسكين
لكن سأخبرك بشيء واحد إيثان ابني. ابني أنا. ليس مشروع ندم لأحد.
والغريب أن جوناثان لم يغضب. لم يرفع صوته. لم يحاول الدفاع عن نفسه.
بل بدا وكأن شيئا داخله يتكسر ببطء مؤلم.
اقترب خطوة أخرى وتجلى الضعف لأول مرة في نبرة صوته
أريد فقط أن أكون جزءا من معرفته. أو جزءا من حياتكما لو كان ذلك ممكنا.
ضحكت ليلى ضحكة قصيرة بلا أي أثر للفرح.
جزء من حياته إيثان في العاشرة من عمره. لم تكن حاضرا في ليلة واحدة من ليالي مرضه وصراخه. لم تكن موجودا عندما عاد من المدرسة فرحا لأنه حصل على نجمة على واجبه. لم تسمع أول كلمة قالها. لم تحتضنه ولم تمسح دمعة واحدة عن خده.
ثم تقدمت خطوة نحوه وبدا صوتها وكأنه يطعن شيئا عميقا فيه
لا تكن جزءا من فيلم تختاره الآن بعد أن انتهت كل مشاهده المهمة.
وفجأة انفتح الباب ودخل إيثان.
ماما الجميع خرج. هل نذهب
التفتت إليه وتحول وجهها كله إلى دفء خالص.
نعم يا حبيبي هيا.
لكن الصبي نظر إلى جوناثان باستغراب
تقدم نحوه ومد يده الصغيرة قائلا
كنت تنظر إلي كثيرا هل تعرفني
تجمد الرجل.
انحنى قليلا ومد يده المرتجفة وهو يقول
ربما أعرفك أكثر في وقت آخر.
ابتسم الطفل ببساطة
حسنا إذا وافقت ماما.
في تلك اللحظة بدا صدر جوناثان وكأنه ينفجر من الداخل.
رحلت ليلى وإيثان وتركا خلفهما رجلا يقف في الظلام يحاول أن يقرأ من جديد عشر سنوات ضاعت منه بلا رجوع.
وعندما انتهت الحفلة
كانت الحكاية قد بدأت بالفعل لا انتهت
في صباح اليوم التالي كانت ليلى تجلس على حافة سريرها تحاول أن تبدأ يوما عاديا لكن ثقل الأمس كان ما يزال معلقا في صدرها. لم تكن تنتظر شيئا ولا رغبت في استعادة أي شيء لكن الهاتف رن.
رقم مجهول.
ترددت لحظة ثم أجابت.
ألو
جاء صوت هادئ متماسك على نحو يفضح اضطرابه الحقيقي
ليلى هذا ليس عني. وليس عنك. إنه عن إيثان.
تجمدت الكلمات على شفتيها.
تابع جوناثان وكأن الحديث يخرج منه رغما عنه
بعد أن رأيت ابني لم أستطع النوم. لم أستطع حتى النظر إلى نفسي في المرآة. أحسست أن عشر سنوات كاملة صارت ثقلا فوق كتفي. أنا فعلا آسف. وأعلم أن كلمة آسف لا تكفي.
لم تقل شيئا.
كانت تستمع فقط لكن قلبها كان
قال هو بصوت منخفض
أنا لا