وجه الأب المفقود الجزء الثاني والأخير
أطلب منك أن تسامحيني. ولا أطلب أن أعود إلى حياتك. فقط اسمحي لي أن أراه. ليس لأكون أبا على الورق بل لأحاول إصلاح جزء صغير من الأشياء التي أفسدتها بيدي.
ارتجفت يدها.
ليس لأنها ضعفت بل لأنها أم.
وأم تعرف أن الحقيقة لا يمكن حبسها للأبد وأن ابنها يستحق أن يعرف جذوره ولكن بحدودها هي لا بحدود رجل غاب وقت الحاجة.
تنفست ببطء قبل أن تقول
مرة في الأسبوع لا. هذا كثير.
ساد صمت قصير ثقيل.
ثم أضافت
لكن يمكننا أن نبدأ بساعة واحدة. ساعة فقط.
بدت أنفاسه من الطرف الآخر كمن التقط فرصة لم يكن ينتظرها.
ساعة موافق. أشكرك من قلبي.
وقبل أن تغلق الهاتف قال شيئا لم تتوقعه إطلاقا
ليلى
أنا فخور بالمرأة التي أصبحت عليها.
ولو كان لدي نصف قوتك لربما كنت رجلا أفضل.
لم تستطع الرد.
أغلقت الخط بسرعة لكن ما
ومن تلك اللحظة بدأت الرحلة.
مرت الأيام ببطء محسوب كأن الزمن نفسه كان ينتظر ليرى ما سيحدث.
الساعة الأسبوعية أصبحت عادة صغيرة في حياة إيثان ينتظرها كل مرة بشغف طفولي لا يعرف حدودا. كان يجلس مع جوناثان ويتحدثان عن الفضاء عن الألغاز عن الألعاب وعن كل الأشياء التي يحبها الصبي وكأنه كان يبحث عن من يسمعه منذ سنوات.
أما جوناثان فقد كان يخرج من كل لقاء وكأن جزءا من روحه يعود ليتنفس من جديد.
كان يتعلم كيف يكون أبا لا بالكلمات بل بالإنصات.
كيف يبتسم لإيثان دون خوف
وكيف يمد يده نحوه دون أن يشعر أنه لا يستحق ذلك.
وفي كل مرة يعود فيها إلى منزله
كانت صور السنوات الضائعة تطارده
الليالي التي لم يكن فيها موجودا
الأعياد التي لم يشاركها
والدموع
لكنه مع ذلك كان يحاول.
أما ليلى فكانت تراقبهما من خلف الزجاج أحيانا وأحيانا من مقعد بعيد.
لم تكن تثق بسهولة ولا كانت تسمح لقلبها بأن يلين.
ومع هذا لم تستطع إنكار ما تراه.
كان الصبي سعيدا.
حقا سعيدا.
وكان جوناثان يحاول بصدق لا يشبه الرجل الذي عرفته قبل عشر سنوات.
لم يعد ذلك الرجل البارد الذي يضع العالم تحت قدميه ويترك كل من حوله خلفه.
بل بدا وكأنه يتعلم المشي من جديد خطوة خطوة على طريق لم يسبق له السير فيه.
ومع مرور الأسابيع بدأت الحوارات الصغيرة تحدث بينهما قليلة حذرة لكنها لم تكن فارغة.
في أحد الأيام بينما كان إيثان يرسم على الطاولة اقترب جوناثان من ليلى وقال
لا أريد أن أكون عبئا عليك ولا على حياته. فقط أخبريني إن تجاوزت حدي.
نظرت إليه طويلا ثم قالت
لو تجاوزت حدك سأخبرك. لكن حتى الآن أنت تحاول بالطريقة الصحيحة.
كانت تلك أول كلمات اعتراف خرجت منها منذ عودته.
ومع أنها لم تكن وعدا لكنها كانت نافذة صغيرة تفتح على مستقبل ممكن.
ومع الوقت تغير الكثير.
إيثان كان يكبر كل يوم وروحه كانت تتفتح أمام رجل يحاول أن يستعيد ما فاته.
واللقاءات القصيرة التي كانت مجرد ساعة صارت تمتد قليلا ثم قليلا أكثر حتى صار الطفل ينتظرها بشغف واضح.
ومع كل خطوة يخطوها جوناثان نحو ابنه
كانت ليلى تجد نفسها تنتقل من الدفاع الشرس إلى المراقبة الهادئة
ومن المراقبة إلى الاعتراف الصامت بأن الرجل قد تغير فعلا.
لكنها لم تكن مستعدة لمنحه قلبها مرة أخرى.
على الأقل ليس الآن.
وليس بسهولة.
ومع ذلك
كانت تعرف أن الزمن سيكشف لها الإجابة
وأن قصة الأب الذي
بل بدايتها الأولى.