الدكتورة التي نجاها الله من زوجٍ بلا رحمة… وكتبت حياتها من جديد مع بناتها الأربع

لمحة نيوز

كانت أبعد ما تكون عن الراحة. كنت أذوب. كنت أنهار. يوما بعد يوم كنت أفقد أنفاسي بسهولة الورم يزداد حجما الدوار يلازمني ملامحي تتغير وجسدي يخذلني. أحد التوأمين بدأت حركته تضعف ثم اختفت نهائيا.
كنت أعلم لكنني كنت عاجزة عن الاعتراف خوفا من الحقيقة.
وفي ليلة ثقيلة سمعت ممرضتين تتحدثان
هو رافض العملية نهائيا يقول يجب أن يستمر التوأم مهما كلف الأمر حتى لو كانت الأم في خطر.
تجمد قلبي. فهمت حينها أن حياتي لم تعد تعنيه. أني إن بقيت صامتة فسأخرج من هذا المكان جثة. همست لنفسي
إن لم أنقذ نفسي الآن فلن يفعل أحد ذلك.
ناديت ممرضة تعرفت عليها كانت الوحيدة التي تحدثني بلطف. قلت لها بصوت مرتجف
إن كان في قلبك رحمة اتصلي بهذا الرقم. إنه رقم أبي.
ترددت خافت نظرت حولها مرارا ثم وافقت. أرسلت الرسالة.
وبعد ساعات قليلة كان أبي في الطريق لا يصدق ما يقرأ. جلب معه أخي وأقارب ورجالا من العائلة وانطلقوا جميعا نحو القاهرة.
ما حدث بعدها لا فيلم يستطيع تصويره.
اقتحموا المستشفى عنوة.
تجمع الأمن ارتفعت الأصوات تصادمت الأيدي حتى وصلوا إلي. فتحوا الباب بالقوة أزالوا كل حاجز بينهم وبيني وحملني أخي من السرير كأنني طفلته الصغيرة. كنت نصف غائبة لكنني سمعت صوته يصرخ
من يقترب منها سيتحمل العاقبة!
أخذوني إلى طبيبة أعرفها زميلتي أثق بها أكثر مما أثق بنفسي. فحصتني بصمت طويل ثم رفعت رأسها وقالت بنبرة موجوعة
أحد التوأمين فارق الحياة وحياتك على حافة الخطر. يجب إجراء عملية فورا.
أجرت لي إجهاضا لإنقاذ حياتي ثم نقلت بالإسعاف إلى جراح متخصص فأزال الورم الذي كاد يقتلني.
وحين فتحت عيني بعد العملية خرجت مني جملة واحدة
أين بناتي
دخلن علي أربع ملاك صغيرة وجوههن مليئة بالخوف وقلوبهن تلتصق بي كما لو أنهن يخشين أن أفلت من بين أيديهن مرة أخرى.
أما زوجي
لم يأت.
لم يسأل.
لم يرفع الهاتف.
بل فعل العكس تماما. ذهب إلى النقابة واتهمني بالاضطراب النفسي وادعى أنني السبب في ضياع الحمل.
لكن أخي وكان جبلا واجهه ورفع عليه قضية سب وقذف وقال له بحدة لا يجرؤ عليها إلا رجل
صادق
إن ذكرت اسمها بسوء مرة أخرى لن يوقفني شيء.
بعدها طلبت الخلع وربحت القضية.
وقف أمامي في آخر لقاء بيننا وقال ببرود مقزز
خذي بناتك فهن لسن بناتي.
ابتسمت ضحكت ضحكة موجوعة لكن ثابتة. وقلت في داخلي
الحمد لله ألف مرة الحمد لله.
ومن ذلك اليوم
ولدت من جديد.
تنفست من جديد.
كبرت لا كامرأة خلف لقب زوج ولا كوجها لنجاح رجل بل كإنسانة. كامرأة عادت من حافة الموت تحمل أربعة أطفال وقلبا لم يعد يقبل الانكسار.
وتعلمت الدرس الأكبر
اختاري الإنسان لا المهنة.
اختاري القلب لا المكانة.
ولا تثقي برجل نسي معنى الحماية والحب والوفاء.
وحين يشتد الألم فالذين يحملون دمك هم الذين يحملونك.
لا الغريب مهما ارتفع اسمه.
خرجت من تحت الرماد أحمل ملاكا وروحا جديدة وعقلا لن يسمح لأحد أن يدوس عليه مرة أخرى.
ومنذ ذلك اليوم بدأت أرتب روحي كما ترتب البيوت بعد العواصف. أغلقت النوافذ التي تسلل منها الألم ونفضت الغبار الذي تركته الخيبات على صدري وجمعت شظايا نفسي التي ظننت أنها لن تلتئم يوما.
أدركت أن النجاة ليست صدفة بل قرار وأن الوقوف على قدمي بعد السقوط ليس بطولة بل حق تمنحه المرأة لنفسها حين تتذكر قيمتها.
كبرت بناتي أمامي وكل واحدة منهن شهادة حية على أن الله لا يترك قلبا مكسورا إلا ويرسل له ضوءا يعيده للحياة. وفي كل ليلة كنت أنام وهن يحيطن بي أتمتم في داخلي
نجوت لأكون لهن لا لغيرهن.
ولم يعد يؤلمني الماضي كما كان. صار درسا صار بابا أغلقته بإحكام وصار مرآة أرى فيها امرأة أقوى مما ظننت أصفى وأشد وعيا. تعلمت أن الحب الحقيقي ليس ما يقوله الناس بل ما تصنعه الأفعال وأن الرجولة ليست لقبا بل موقف ينقذ حياة.
واليوم حين أنظر إلى طريقي الممتد أمامي لا أرى خوفا بل بداية جديدة أرضا واسعة تنتظر أن أغرس فيها ما يستحق أن ينمو.
لم أعد تلك المرأة التي كانت ترجف من كلمة أو تذوب تحت ضغط أو تسكت مخافة خسارة.
صرت امرأة تعرف قيمتها تعرف الطريق وتعرف أن الله حين ينقذ روحا يكتب لها قدرا أجمل مما ظنت.
وهكذا
أغلقت آخر صفحة من تلك الحكاية لا بالبكاء بل بالامتنان.

وامتد أمامي فصل جديد فصل صنعته أنا لا أحد غيري.

تم نسخ الرابط