توفي زوجي للتو عندما جاءت عائلته لأخذ جميع ممتلكاتي وطردوني من المنزل

لمحة نيوز

بشيء يشبه الهواء النقي يدخل صدري لأول مرة منذ وفاة دانيال.
خرجت من المحكمة وأشعة الشمس تتسلل من بين الغيوم كأن السماء تمنحني فرصة جديدة. وقف المحامي هاريس بجانبي وقال بابتسامة مطمئنة
كانت معركة صعبة لكن زوجك توقع الكثير وترك لك حماية لا يتركها إلا رجل يحب بصدق.
نظرت إلى الأرض والدموع تحرق عيني من الداخل.
كان يقول دائما إنه يريدني أن أبقى بخير مهما حدث والآن فقط فهمت معنى كلامه.
مر شهر كامل قبل أن أعود إلى منزلنا لكن العودة لم تكن سهلة. دخلت بخطوات مترددة أستعيد رائحة ذكرياتي من الهواء. كان كل شيء ساكنا الجدران التي شهدت ضحكاتنا غرفة المعيشة التي كنا نتجادل فيها حول ترتيب الأثاث المطبخ الذي كان دانيال يصر على إعداد الإفطار فيه رغم أنه لا يجيد سوى حرق الخبز.
لكن شيئا ما كان مختلفا. الحزن الذي خنق المكان صار هادئا أقل حدة كأنه يعرف أنني عدت لأبدأ من جديد لا لأبكي.
جلت في الغرف واحدة تلو الأخرى أمسح الغبار أفتح النوافذ أزيح الستائر. كنت أرتب المنزل كأنني أرتب روحي المبعثرة. وبينما كنت أضع ترتيبا لرفوف غرفة المكتب وقعت يدي على صندوق صغير خشبي لم أره من قبل. كان موضوعا في زاوية بعيدة تحت رف عال.
فتحته بحذر.
وجدت داخله صورا لنا
رسائل قصيرة كان دانيال يكتبها لي عندما يسافر إيصالات من أماكن زرناها معا وشيئا يشبه المذكرات الصغيرة عليها اسمه بخط يده.
فتحت المذكرة فوجدت كلمات جعلت قلبي يرتجف
سارة إذا رحلت قبلك فأريدك أن تعرفي أن حياتي معك كانت أجمل من أي ميراث أو وصية. اخترت أن أمنحك كل شيء لأنك أنت كنت كل شيء لي. لا تسمحي لهم بإيذائك ولا تتنازلي عن حقك مهما حدث. لقد أخفيت بندا في وصيتي حتى أضمن أن يبقى المنزل لك وحتى أمنعهم من الاستيلاء على شيء لم يشاركوا في بنائه. سامحيني إن سببت لك ألما لكنني فعلت ما كان يجب أن يفعله رجل يحب امرأته حتى النهاية.
أغلقت المذكرة على صدري وشعرت بأنفاسي تتقطع. لم أبك بكاء ضعف بل بكاء امتلاء كأنني فجأة فهمت كل ما كان يقوله كل ما كان يخفيه من خوفه علي.
جلست على الأرض وأوراق الذكريات متناثرة حولي ثم همست وكأن دانيال يسمعني
كنت تحميني حتى في غيابك كيف يمكن لامرأة ألا تحب رجلا مثلك
مرت الأيام بعدها بسرعة. لم تعد عائلة دانيال تجرؤ على الاقتراب فقد منعتهم المحكمة من أي مطالبة مستقبلية. أما أنا فقد بدأت أستعيد حياتي جزءا بعد جزء.
أعدت طلاء الجدران غيرت بعض الأثاث وزرعت أزهار اللافندر التي كان دانيال يحب رائحتها في الحديقة. كنت
أعمل على تحويل البيت من موقع خسارة إلى مساحة حياة جديدة.
ومع كل ما فعلته ظلت صورة واحدة فوق رف الموقد لا تتحرك من مكانها صورة احتضنني فيها دانيال بشغف وكأنه يخبرني أمام العالم
هذه امرأتي وهذه حياتي.
كنت أستيقظ كل صباح أعد قهوتي وأجلس أمام الصورة وأقول
أنا بخير وأكمل كما أردت.
ذات مساء بينما كانت الشمس تغيب خلف الأشجار وتلون السماء بدرجات برتقالية دافئة سمعت طرقا على الباب. شعرت بالقلق لكنني فتحت.
كان المحامي هاريس واقفا يحمل ظرفا مختوما. قال وهو يناولني إياه
هذا آخر شيء تركه زوجك. عثر عليه مؤخرا ضمن وثائق البنك.
ترددت قبل فتح الظرف لكن فضولي غلبني. كان بداخله خطاب قصير
سارة
إن وصلت إليك هذه الرسالة فأريدك أن تعرفي أنني مطمئن. لم أترك لك فقط إرثا من المال أو الممتلكات بل تركت لك حريتك. أردتك أن تكوني قوية بما يكفي لتواجهي العالم وحدك. وإن وجدت يوما شخصا يستحق قلبك مرة أخرى فاسمحي له بالدخول بلا خوف.
محبتي دانيال.
أغلقت الرسالة وشعرت بابتسامة خفيفة ترتسم على وجهي. كانت تلك اللحظة بداية حقيقية لا مجرد نهاية لقضية.
مرت أسابيع بعد رسالة دانيال الأخيرة وأنا أحاول أن أتعلم كيف أعيش دون أن أشعر بأنني وحدي. كنت أستيقظ كل صباح وأتفقد
أركان المنزل كأنني أطمئن عليه كما كان هو يفعل معي. شيئا فشيئا أدركت أن الحياة لا تتوقف عند الفقد بل تتشكل من جديد حوله كالنبات الذي ينمو قرب حجر ثقيل لكنه يستمر رغم كل شيء.
قررت بعد فترة أن أعود إلى عملي في المكتبة العامة. كنت قد تركت العمل طوال فترة مرض دانيال ولم أظن أنني سأعود إليه مرة أخرى لكنه بدا لي المكان الوحيد الذي يمكن أن يعيد تنشيط يومي ويخرجني من دائرة الذكريات الثقيلة. دخلت المكتبة أول يوم والقلق يسبق خطواتي لكن رائحة الكتب أعادت لي شعورا دافئا يشبه العودة للوطن.
استقبلتني زميلتي القديمة بابتسامة مراعية وقالت
اشتقنا إليك يا سارة المكتبة كانت هادئة أكثر من اللازم بدونك.
ابتسمت وأجبتها
وأنا اشتقت لكم جميعا
بدأت أخوض في عملي الجديد بحذر. رتبت الكتب سجلت استعارات جديدة ساعدت زوارا يبحثون عن روايات أو مراجع. وفي إحدى الزوايا وجدت طفلة صغيرة تبكي في صمت لأن والدتها تأخرت في العودة. جلست بجانبها ومسحت على كتفها وأخبرتها بأن البكاء لا يقلل من قوتها.
نظرت إلي الطفلة بعينين واسعتين وقالت
خالتي شكلك طيبة.
تلك الجملة الصغيرة كسرت شيئا في داخلي. ربما لأنني نسيت أن يرى أحد في الطيبة بعد فترة طويلة من الظلم والخذلان.
ورغم
أن حياتي بدأت تستعيد إيقاعها فإن الليالي
تم نسخ الرابط