هرب منها في أول موعد بسبب الكرسي… فاقترب منها رجل ومعه طفلته وغير كل شيء
هرب منها في أول موعد بسبب الكرسي فاقترب منها رجل ومعه طفلته وغير كل شيء
حين سألت ليلي سؤالها البريء
لماذا لديك عجلات
رفعت سيرينا رأسها وابتسمت تلك الابتسامة الواهنة التي تشبه خيط نور يتسلل من بين غيوم ثقيلة رغم أن الوجع ما يزال جاثما في صدرها كحجر بارد. لم تكن تتوقع أن تجد نفسها في هذا الموقف ولا أن تفضح هشاشتها أمام غرباء لكن صوتا هادئا صوت رجل يحمل في طبقاته هما قديما ومسؤولية أكبر من عمرهقطع الصمت الرقيق وقال بنبرة أبوية واضحة
ليلي هذا سؤال غير لائق يا صغيرتي.
لكن قبل أن تهم الطفلة بالاعتذار رفعت سيرينا يدها فورا كأنها تمنع كلاما لا تحتاج إليه أو ربما تمنع ألما يخشى الخروج.
لا بأس اتركيها تسأل.
قالتها بصوت هادئ ثابت رغم كل ما يتحرك داخلها.
مدت ليلي يدها الصغيرة نحو صدرها تحمل لعبة متهالكةوحيدة القرن ذات الجسد الأبيض والخيط الملون الملفوف حول قرنهاوكأنها تقدم قلبها الصغير لا مجرد لعبة. كانت تلك الهدية البسيطة تحمل رسالة أعمق من قدرة الكلمات على حملها
أنا لا أراك ناقصة أنا فقط أراك إنسانة.
تنهدت سيرينا أخذت نفسا طويلا يمر فوق جرح لا يزال طريا ثم قالت برقة
كنت في حادث يا عزيزتي ومنذ ذلك اليوم لم تعد قدماي تعملان مثل قدميك. لهذا أستخدم هذا الكرسي تماما كما يستخدم والدك السيارة ليصل
هزت ليلي رأسها بجدية تفوق عمرها الصغير وكأن الإجابة أعادت ترتيب الكون في داخلها ثم قالت بجملة صغيرة لكنها كانت الباب الأول الذي فتح قدرا جديدا
هل أستطيع الجلوس معك شكلك لوحدك.
خرجت من فم سيرينا ضحكة خفيفة ضحكة حقيقية رغم جراحها كأنها شرارة تعلن أن الروح ما تزال قادرة على النهوض.
أحب ذلك إن وافق والدك.
توقف الرجلأدريانلحظة. لحظة تقييم. لحظة يقيس فيها المسافة بينه وبين امرأة لم يكن من المفترض أن يلتقي بها في هذا اليوم ولا بهذه الطريقة. ثم قال بهدوء
حسنا.
وجلس.
كانت سيرينا تراقبه تراقب طريقة جلوسه هدوءه يديه الثابتتين وصوته الذي يشبه أصوات الرجال الذين ينامون قليلا ويعيشون كثيرا. رجل بدا كأنه خرج من معركة طويلة وما زال يحمل آثارها بطريقة لا تخطئها العين.
اسمه كان أدريان بلاكوود.
أعاد ترتيب الكراسي بلمسات هادئة ثم قال لابنته
اجلسي مع السيدة وسأحضر لنا شيئا نشربه.
جلست ليلي بجانب سيرينا بدل الشخص الذي كان يجلس قبل دقائق الشخص الذي هرب.
تلك اللحظة وحدها جعلت سيرينا تدرك شيئا لم تدركه من قبل
هي ليست وحدها كما ظنت.
عاد أدريان ومعه ثلاثة أكواب
قهوة له قهوة لها وعصير برتقال صغير لابنته.
جلس مقابلهما ووضع العصير أمام ليلي ثم رفع عينيه نحو سيرينا نظرة لا تحمل شفقة بل انتباها صادقا.
قال بصوت منخفض يحاول ألا يجرحها
رأيت ما حدث قبل قليل.
شهقت سيرينا خجلا.
لم تكن مستعدة لأن تتعرى لحظة الهجر من جديد أمام أحد.
كنت كنت هناك سألتها بصوت خافت.
هز رأسه قائلا
نعم رأيت. ورأيت الطريقة التي غادر بها.
توقف قليلا ثم أضاف بنبرة هادئة لكنها قوية جملة قادرة على إصلاح شرخ صغير داخل قلبها
كان ذلك قاسيا ولست أنت من يستحق القسوة.
ارتجفت الدموع عند أطراف رموشها.
لم تكن تبكي لكنها كانت قريبة جدا من الانكسار.
أطرقت رأسها وقبضت على كوبها لئلا ترتجف يدها.
كنت أظن أنه مختلف على الأقل في رسائله.
ابتسم أدريان ابتسامة صغيرة بلا شماتة بلا حكمة مصطنعة بلا رغبة في تعليمها شيئا
بعض الناس يخافون من مواجهة ما يؤلمهم فيختارون الهرب.
رفعت عينيها إليه
ورأت في عينيه شيئا يشبه مرآة قديمة
جرحا يشبه جرحها
وحزنا عرف طريقه إليه منذ زمن.
وقبل أن تتمكن من قول شيء قفز صوت ليلي ليقطع اللحظة كضوء يفاجئ غرفة معتمة
بابا هل تعتقد أن وحيدة القرن تحب السيدة
ضحك أدريان وقال
أظن أنها تحب الجميع.
لكن ليلي هزت رأسها بإصرار
لأ هي ذكية. تعرف مين زعلان.
ثم قدمت اللعبة إلى سيرينا
خديها.
لحظة صمت.
ثم أخذت سيرينا اللعبة بين راحتيها وشعرت برائحة طفلة تملأ قلبهارائحة شامبو سكر وأمان بسيط لم تعرفه منذ زمن.
ابتسمت
والابتسامة هذه
في تلك اللحظة فقط
أدرك أدريان شيئا
هذه المرأة ليست مكسورة
بل تقف رغم كل شيء.
تحدثوا طويلا.
أب وابنة وامرأة تركها رجل لكن القدر أبى أن يتركها.
حدثته عن عملها كفنانة عن تصميماتها عن مشاريعها الصغيرة التي تضع فيها قلبها أكثر مما تضع فيها الألوان.
ولم يسألها السؤال الذي يمزقها كل يوم
كيف وقع الحادث
ترك لها حرية الاختيار.
وحين اختارت أن تحكي اكتفى بالاستماع.
استماع حقيقي
استماع رجل عرف الخسارة وفهم معنى أن تنهض بعد أن تقع.
قال لها بعد صمت طويل
أدير شركة كبيرة منذ سنوات وأقابل المئات يوميا لكن نادرا ما أرى أحدا يملك اللطف الذي رأيته منك مع ليلي.
كانت جملة صادقة حد أنها أربكتها.
مر الوقت دون أن يشعر الثلاثة به.
ولم ينتبه أحد إلا عندما سقط رأس ليلي على كتف والدها نائمة بعمق واللعبة بين يديها الصغيرتين.
قالت سيرينا بابتسامة دافئة
نامت بسرعة.
أجاب
هي تثق بالناس بسرعة.
ترددت قليلا ثم سألته
وأنت هل تثق بالناس بسهولة
انخفض نظره
كان سؤالا مسموحا وممنوعا في الوقت نفسه.
ليس دائما بعد وفاة زوجتي أصبحت أكثر حذرا.
تجمد الهواء لحظة.
ثم وضعت سيرينا يدها على الطاولةلم تلمسهلكن الإشارة وحدها كانت كافية ليعرف أنها تفهم.
أنا آسفة.
هز رأسه.
لا تعتذري هذه هي الحياة.
وحين
امرأة قوية رغم ضعفها
واقفة رغم الجراح
حية رغم كل