حين عادت الأم من البحر… انكشف الوجه الحقيقي لأقرب الناس إليها
حين عادت الأم من البحر انكشف الوجه الحقيقي لأقرب الناس إليها
في قسم شرطة ماليبو كان جايسون يجلس في غرفة التحقيق الباردة يشعر وكأن الجدران الأربعة تضيق عليه شيئا فشيئا يجلس محني الظهر قليلا يحاول أن يعثر على مساحة يتنفس فيها داخل هذا الاختناق المتصاعد. الضوء الأبيض الحاد فوق رأسه كان كالسيف المسلط على أعصابه يزيد صداعه اشتعالا ويكشف ارتعاشة يديه رغم محاولاته إخفاءها.
كانت ملامحه شاحبة عيناه غائمتان كأنهما تحملان آثار ليال لم يعرف فيها النوم طريقا إلى جسده. أصابعه تنقر فوق الطاولة تارة ثم تتشابك وتنفلت تارة أخرى بينما يدور في داخله سؤال واحد هل هناك طريق للعودة بعدما حدث
في الجهة المقابلة جلس المحقق ريموند كول رجل اعتاد أن يرى أسوأ ما في البشر دون أن يرمش له جفن. ملامحه الهادئة كانت مرآة عكسية للفوضى التي يعيشها جايسون. ظهره مستقيم قلمه بين أصابعه يتحرك بنقرات ثابتة وكأن كل نقرة تحفر في جدار صبر المتهم الذي يجلس أمامه.
قال كول بصوت منخفض خال من أي انفعال صوته ثابت كأنه جزء من الجدار خلفه
دعنا نبدأ من النقطة الأولى يا جايسون من اللحظة التي بدأت فيها التفكير بالتخلص من والدتك.
جف حلق جايسون بالكامل. بلع ريقه مرارا لكنه لم يشعر بأي قطرة ترطب فمه. حاول
في داخله بدأت الذكريات تتزاحم بطريقة مؤلمة
أماندا بشعرها الداكن وعينيها اللامعتين تجلس على الأريكة في غرفة المعيشة أمامها فواتير مبعثرة كأنها فوضى مخططة. كان الغضب يتسلل من صوتها يمتزج بقلق مكبوت وعطش للمال أكبر من كل شيء.
كانت تقول له في تلك الليلة بصوت محمل بالتحريض
أمك لا تحتاج هذا المال كله يا جايسون. امرأة في أواخر عمرها لا تنفق لا تسافر لا تعيش الحياة. أما نحن نحن من نعمل من نتعب من نقاتل. لماذا ننتظر أن يضيع حقنا
أخبر نفسه لاحقا أنه رفض الفكرة من البداية
لكن الحقيقة كانت أنه لم يرفض.
هو فقط لم يمتلك القوة لقول لا.
وبعد تلك الليلة بدأت الأحداث تتسارع.
الديون تكبر الاستثمارات تنهار أسلوب الحياة الذي يحلم به يبتعد أكثر فأكثر وأماندا كانت تدفعه نحو الهاوية بخطوات محسوبة. ما قالته عن تفضيل أمه لأخته الراحلة كان يخترق قلبه الضعيف. كان كمن يسمع صدى جرح قديم ظن أنه اندمل.
كانت تلك المشاعر مثل شرارة صغيرة
ثم جاء صوت أماندا يصب الوقود فوقها يوما بعد آخر.
في ليلة أخرى جلست أمامه وهمست له بحدة
لو ماتت الآن لن ترث شيئا تقريبا.
لم يجب.
رأسه كان مطرقا كأنه يهرب من السؤال لكنه في أعماقه كان يعرف أنها محقة في نقطة واحدة فقط أمه غيرت وصيتها فعلا ونصيبه أصبح أقل بكثير مما كان يتوقع.
وفي تلك اللحظة لم ير فيها والدته
بل رأى حسابا مصرفيا مغلقا.
قطع صوت كول شروده فجأة
لقد أمضيتم شهورا في التخطيط الرحلة الفيلا في ماليبو اتفاقية إدارة الأملاك اليخت كل شيء تم بحساب. ليس صدفة.
رفع جايسون رأسه ببطء بعينين تغمرهما الندم
أماندا قالت إننا فقط نأخذ ما هو حقنا قالت إن أمي لن تهتم لن تشعر لن تفتقد شيئا.
تنفس بعمق كأنه يحاول أن يستجمع شجاعته للاعتراف
في البداية بدأنا بخدعة صغيرة. قلنا لها إننا نريد حماية أموالها من المحتالين فوافقت أن ندير أملاكها مؤقتا. كانت سعيدة تضحك وتقول إنها تشعر أخيرا أننا نهتم بها.
تأمل كول ملامحه ثم قال
وبعدها اقترحتما الرحلة البحرية.
أومأ جايسون وصوته يرتجف
أردنا أن تبدو رحلة عائلية وقت للذكريات وللاطمئنان.
أماندا كانت تعانقها وتناديها أمي وكأن بينهما محبة حقيقية.
وأمي صدقت.
حجزنا فيلا مطلة على البحر واستأجرنا يختا بدون أي سجلات واضحة كنا نظن أننا عباقرة.
ساد
ثم قال المحقق بصوت أكثر جدية
وفي اليوم الأخير أخذتموها إلى البحر.
أمسك جايسون رأسه بين يديه للحظة قبل أن يهمس
كانت تجلس على كرسيها المتحرك تنظر إلى البحر وتبتسم. قالت لي
كم اشتقت لهذا المكان يا جايسون كنت تركض على الرمال وتقول إنك ستصبح صديقا لأسماك القرش.
ضحكت
ضحكت بصدق
وأنا ضحكت كذبا.
اهتز صوته وهو يتابع
وقفت أماندا خلفي اقتربت من أذني وقالت
افعلها الآن قبل أن يقترب أحد.
تصلب جسده وهو يتذكر
دفعت الكرسي خطوة ثم خطوة قلبي كان يصرخ لكن قدماي لم تتوقفا. شعرت بيدي تدفع بقوة رأيت جسدها يسقط وصوت ارتطام الماء والدائرة التي أحدثها سقوطها تتسع وكأنها تبتلع آخر ما تبقى من إنسانيتي.
ارتجفت شفتاه وصوته انكسر
لم تصرخ.
هذا أكثر ما أحرق قلبي.
لم تصرخ.
فقط نظرت إلي.
نظرة قصيرة فيها عتاب وفيها فهم كأنها عرفت كل شيء في لحظة واحدة.
ثم اختفت بين الأمواج.
فتح جايسون عينيه والدموع متجمعة عند أطرافهما كأنها تتردد قبل السقوط يحاول بكل ما يملك أن يمسك بآخر خيط من رباطة الجأش. لكن كل ما بدا على محياه كان إنهاك رجل انتهى من الهروب وبقي أمامه مواجهة الحقيقة وحدها.
انحنى كول قليلا للأمام وضع مرفقيه على الطاولة وقال بصوت بارد
ما لم تكن تعلمه يا جايسون
أن أمك