حين عادت الأم من البحر… انكشف الوجه الحقيقي لأقرب الناس إليها
المحتويات
كانت أذكى منكما بكثير رغم العمر ورغم كل ما اعتقدتماه عنها.
فتح جهازا لوحيا صغيرا نقرة واحدة جعلت الشاشة تضيء ثم ظهرت لقطة فيديو بدقة عالية التصوير بدا من زاوية مرتفعة أعلى مقدمة اليخت. كان المشهد واضحا
جايسون يدفع الكرسي
أماندا تضع يدها على المقبض الخلفي
تهمس له بصوت لاهث
اسرع!
ثم سقوط إلينور في البحر سقوط يبدو بطيئا ومؤلما رغم أنه حدث في ثوان.
أوقف كول الفيديو عند اللحظة التي ارتطمت فيها المياه بجسدها ثم قال بهدوء يجيد تمزيق الأعصاب
كاميرات المراقبة التي لم تفكرا حتى في تعطيلها سجلت كل شيء.
والأدهى أمك هي التي طلبت تركيبها منذ أشهر. قالت لطاقم الصيانة إنها تشعر بأن هناك شيئا مريبا. أنتم حسبتم أنها عجوز خائفة لكنها كانت تحمي نفسها منكم.
شهق جايسون كطفل فجع بذنبه
كانت
كانت من المفترض ألا تخرج من الماء
رفع كول حاجبا ساخرا
لكنها فعلت.
سبحت رغم العمر رغم التعب رغم الصدمة.
حتى لمحها قارب صيد صغير لا يبعد كثيرا عن منطقة اليخت.
الرجل الذي أنقذها قال إنها حين صعدت إلى القارب كانت ترتجف من البرد لكنها تضحك وتقول
ابني رماني في البحر لكنه نسي أنني من علمته السباحة.
تقلص وجه جايسون ألما وكأن الجملة وحدها كانت السكين التي أنهت كل دفاعاته.
وفي مكان آخر تماما بعيدا عن غرفة التحقيق الباردة كانت إلينور ويتمور جالسة في صالة فيلتها المطلة على محيط ماليبو. لفت كتفيها ببطانية
صوت المحيط في الخارج يرتطم بالصخور بعنف لكنه لم يعد يرعبها. على العكس كان يذكرها بأنها ما تزال هنا وأن البحر الذي حاول أن يأخذها لم ينجح وأن ابنها الذي رماها لم ينتصر.
حدقت طويلا في يديها
هاتين اليدين اللتين ربتا جايسون صغيرا طعمته حين بكى داوت جروحه دافعت عنه أمام المدرسين والجيران صبرت على أخطائه أكثر مما تحتمل أي أم.
يديها اللتين كانتا مستعدتين لتلقيا في الماء فتموتا على يد من عاش عمره بينهما.
لم تعد الدموع تنهمر منها بسهولة
السنوات الطويلة التي فقدت فيها زوجها ثم ابنتها ثم جايسون نفسه قبل أن يختفي جسديا
جعلت قلبها يتقشر طبقة بعد طبقة حتى لم يبق سوى الصمت.
عندما دخل المحقق كول أخيرا رفعت رأسها إليه بصوت متعب
اعترفا أليس كذلك
أومأ
انهارا كلاهما.
كل يرمي الاتهام على الآخر.
لكن التسجيلات والأوراق التي وقعتها تحت الخداع وشهادات طاقم اليخت كلها تكفي لدفن دفاعهما.
تنهدت تنفسها كان أثقل من عمرها
هما هكذا منذ البداية يا كول
دائما يبحثان عن شخص يلومانه.
لم يتعلما يوما أن ينظرا للمرآة.
صمت كول قليلا ثم قال
الصحافة تحاصر المقر يريدون رؤيتك. هل ترغبين بالظهور في المؤتمرات
هزت رأسها بثبات أعاد ملامحها قوة قديمة
لا.
لا أريد أن يراني الناس ضحية.
لحظة خروجي من البحر لم أعد
أغمضت عينيها ثم قالت
ثم ما فائدة كل هذا
لن يعيد لي ابنا ولن يجعل قلبي يعفو.
مرت الأيام التالية مثقلة بالتحقيقات.
توجيه تهم رسمية الشروع في القتل التآمر للاحتيال إساءة معاملة كبار السن التلاعب بالوصايا.
الصحافة تستعر والبرامج التلفزيونية تتسابق على تناول قضية الأم التي نجت من الغرق على يد ابنها وزوجته.
لكن إلينور بقيت بعيدة عن ذلك الضجيج تجلس في مكتب صغير مع مستشارها القانوني وقد وضعت أمامها دفترا جلديا قديما.
فتحت الدفتر وأخرجت أوراقا عليها توقيعها بخط مرتجف لكنها محكمة الصياغة.
قالت بصوت هادئ
لقد أخرجت جايسون من الوصية منذ سنوات
حين لاحظت شيئا غريبا في عينيه
شيئا يشبه الجشع أكثر مما يشبه الابن.
تنحنح المحامي بدهشة
لم تقولي ذلك من قبل.
قالت
لم أشأ أن أظلمه
لكني خفت من اليوم الذي يصبح فيه حبي له سلاحا ضدي.
فنقلت أغلب ثروتي إلى صندوق خيري وتركت حسابا واحدا فقط يظهر أمامه وكأنه كل ما أملك.
الحساب الذي حاول الاستيلاء عليه لم يكن سوى حساب ثانوي.
سألها المحامي
وماذا تريدين فعله الآن
أجابت بنبرة جديدة قوية فيها يقين امرأة نجت من الموت مرتين
أريد استثمار ما تبقى من حياتي ومالي لأجل شيء واحد
ألا يعيش أب أو أم ما عشته.
بعد ثلاثة أشهر صارت قضية ويتمور حديث البلاد.
الصحف كتبت
الأم التي سبحت للنجاة من خيانة ابنها.
عشرة ملايين دولار حولت ابنا إلى قاتل.
ميراث
عرضت على إلينور مبالغ خيالية للظهور الإعلامي لكنها رفضت.
اكتفت ببيان صغير قالت فيه
أنا لست بطلة قصة ولا ضحية فيلم.
أنا فقط أم اختار ابنها الظلام فقررت ألا أسير خلفه.
وفي صمت أكثر حكمة من كل الكلمات أسست رسميا
مؤسسة ويتمور للعدالة لكبار السن
مؤسسة هدفها حماية كبار السن من الاستغلال المالي والعاطفي والنفسي
كي لا يجد أب أو أم أنفسهم يوما
عالقين بين المال والدم.
كانت الأيام تتوالى وكل يوم يصل صداه إلى مكتب المؤسسة الجديدة التي أسستها إلينور.
وفي الوقت الذي كان فيه جايسون يحصي الساعات خلف القضبان
كانت هي تحصي الأرواح التي تنجو بفضل صوتها.
لم تكن ترد على كل رسالة لكنها كانت تقرأ كل شيء.
كلمة بكلمة.
دمعة بدمعة.
وكأنها تجمع من بين الحروف ما تسرب من وجعها القديم ثم تعيد تشكيله إلى قوة تقف بها على قدميها.
المؤسسة التي بدأت بطاولة خشبية وكرسي واحد صارت الآن تمتد عبر ولايات متعددة.
شباب يأتون كل صباح بشغف محامون تركوا مكاتبهم الكبيرة ليعملوا تطوعا مختصون اجتماعيون يقضون ساعات في الاستماع لكبار السن الذين فقدوا أصواتهم في زحام الحياة.
كانت إلينور تمشي بينهم بهدوء
تضع يدها على كتف أحدهم
تبتسم لمن جاء مترددا
وتجلس طويلا أمام من احتاج
أن يحكي حتى لو احتاج الليل كله.
أما جايسون فكان يعيش في عالم آخر.
عالم بلا نوافذ بلا قرارات بلا هروب.
كانت الليالي تتكرر عليه
كلما أغمض عينيه رأى البحر
ومعه تلك اللحظة التي لن تغادره أبدا
متابعة القراءة