ألقت شقيقتي طبقا نحو ابنتي ذات الثلاثة أعوام

لمحة نيوز

قصيرة لكنها لم تكن ضحكة سخرية كانت ضحكة امرأة أنهكها الألم فأصبح الصمت أكثر وطأة من الكلام.
قلت
جدتي كانت في كامل وعيها وربما كانت ترى حقيقتكما أكثر مما رأيتها أنا.
ثم التفت إلى والدي الذي كان ينظر إلى الطاولة كأنه يريد أن يختفي داخلها. تنحنح بضعف وقال بصوت منخفض متردد كما لو أنه يخشى كلماته
كلير رجاء هل ما تقولينه حقيقي
نظرت إليه نظرة لم أنظرها لأحد من قبل. لم أر أبي أمامي في تلك اللحظة بل رأيت طفلا خائفا يخبئ رأسه في قوقعته ينتظر أن تمر العاصفة دون أن تمسه.
قلت بصدق موجع
أبي أنت رأيت كل شيء. كل شيء. لكنك اخترت الصمت. اخترت السلام على حسابي.
خفض رأسه ولم يستطع رفع عينيه إلي مجددا.
أما كارولين فقد ضربت الطاولة بكفها بقوة كمن يحاول التمسك بآخر خيط من كبريائها. صرخت
أنت تفعلين هذا لأنك حاقدة! لأنك تغارين مني! من حياتي! من نجاحي! من كل ما حققته!
نظرت إليها نظرة طويلة ثم ضحكت ضحكة خفيفة ضحكة حملت غبار السنين كلها ضحكة امرأة لم يعد يمكن خداعها.
أغار أغار من ماذا يا كارولين
رفعت حاجبا وسألت
أأغار من امرأة رمت طبقا على طفلة أغار من حياة بنيت على الكذب أغار من قسوة اعتدتم اعتبارها قوة أغار من سرقة
لم تستطع الرد.
إيما التصقت بي بقوة كأنها تخشى
أن يأخذها أحد من بين يدي. رفعت يدي ومسحت دموعها ثم وقفت.
وجوههم كلها كانت مشدودة مذهولة ملسوعة بالصدمة. كأن الأرض تحركت تحت أقدامهم فجأة وحطمت يقينهم بأنهم يمسكون زمام السيطرة دائما.
توجهت إلى الباب بخطوات هادئة.
وعند العتبة التفت.
نظرت إليهم نظرة أخيرة. نظرة لا تشبه الوداع بل تشبه إغلاق كتاب طال قراءته.
قلت بصوت خافت لكنه نافذ يخترق الجدران
قلتم دائما إن علي أن أعرف مكاني والآن جاء دوركم أن تعرفوا مكانكم.
ثم خرجت.
خرجت مع إيما إلى هواء الليل البارد وأصوات ضجيج المدينة البعيدة وسمعت خلفي صوت الباب يغلق بقوة. لكن بالنسبة لي لم يكن بابا يغلق بل فصلا كاملا ينتهي. فصلا عشت فيه سنوات طويلة من الصمت والظلم دون أن أعرف أن النهاية كانت بيدي دائما.
مر أسبوعان بعدها. أسبوعان من الصمت من الهدوء من إعادة ترتيب روحي المرهقة.
وفي صباح يوم دافئ رن الهاتف.
كان المحامي على الخط صوته متزن كعادته لكنه حمل خبرا جعل الأرض تهتز تحت قدمي هذه المرة بطريقة مختلفة طريقة مشبعة براحة واندهاش.
قال
لقد أعيدت جميع ممتلكات جدتك إليك قانونيا يا آنسة كلير وتم فتح تحقيق شامل في إدارة التركة.
أغلقت الهاتف وجلست بصمت. نظرت إلى إيما التي كانت ترسم على ورقة أمامها خطوطا عشوائية
وأشكالا غير مفهومة لكنها كانت تضحك. تضحك ببراءة كاملة دون خوف. وهذا وحده كان كافيا.
في الأيام التالية للخبر تغيرت حياة البيت بهدوء غريب كأن جدارا كان يحجب الضوء قد سقط أخيرا. صارت الضحكة الصغيرة التي تخرج من إيما وهي تركض بين الغرف أغلى من كل ما في العالم. كنت أراقبها وهي تلون دفاترها ترفع
رأسها بين لحظة وأخرى لتسألني إن كان شكل قلبها يبدو جميلا أو إن كانت شمسها تشبه الشمس الحقيقية. وفي كل مرة كانت نظرتي إليها تمتزج بامتنان لم أعرفه من قبل امتنان لأننا أخيرا في مكان لنا مكان لا يشبه الظلال التي
عشنا فيها.
لكن هذا الهدوء لم يستمر طويلا.
فخلال تلك الأسابيع رن الهاتف مرات كثيرة. كالعادة كانت أمي.
في البداية كانت رسائل طويلة مملوءة بكلمات خافتة بعضها مرتبك بعضها دفاعي وكأنها تحاول إعادة صياغة الماضي وحدها.
ثم بدأت تصل رسائل أقصر مختصرة متوترة تشبه من يطرق الباب مرارا دون أن يعرف ما إذا كان يريد الدخول أو الهرب. ثم تلتها مكالمات من كارولين بعضها مليء بالبكاء بعضها مليء بالصراخ ثم أخرى تحمل اعتذارا مشوشا.
ثم صمت كامل. صمت لا يحمل سلاما بل يحمل عجزا عن قول مزيد.
ولم أرد على شيء.
ليس تجاهلا بل حفاظا على الروح التي بالكاد بدأت تستعيد نفسها. هناك
جروح لا يعالجها الكلام ولا يصلحها الاعتذار. هناك خيانات تترك خلفنا كما نترك بابا قديما صدئا لم يعد ينفتح.
وذات ظهيرة بينما كانت الشمس تميل نحو الغروب وتغطي الحديقة بلون ذهبي يشبه الهدوء القديم كانت إيما تلعب في تلك الحديقة التي كانت يوما ملكا لجدتي. الحديقة التي شهدت خطوات طفولتي والتي أصبحت الآن أرضا جديدة لخطوات طفلة أخرى طفلة أردت لها سلاما لم أعرفه أنا.
ركضت إيما بين الشجيرات الصغيرة ضحكتها تتردد كأنها زينة معلقة في الهواء. ثم توقفت فجأة التفتت إلي بعينيها الواسعتين وقالت بصوت رقيق
ماما هل نحن بأمان الآن
تجمدت لحظة.
كان سؤالا أكبر من عمرها. أكبر من عالمها كله.
اقتربت منها وركعت على الأرض أمسكت وجهها بين كفي ونظرت في تلك العينين اللتين حملتا الخوف أكثر مما يجب لطفلة.
قلت بهدوء
نعم يا ملاكي نحن بخير. نحن بخير حقا.
لم تكن كلمات عابرة.
كانت وعدا.
وكانت حقيقة.
ثم عادت إلى اللعب كأن سؤالها أزاح ثقلا عن صدرها الصغير. بقيت أراقبها أشعر أن الهواء حولنا صار أخف أن ظلال الماضي بدأت تتراجع شيئا فشيئا.
لكن الحقيقة التي أدركتها لاحقا كانت أكبر من كل تلك التفاصيل الصغيرة.
في تلك الليلة التي انكسر فيها الطبق تلك اللحظة التي صمت فيها الجميع ووقفت أنا
بين الخوف والصمت بينما كانت إيما ترتجف بجانبيهناك عند
تم نسخ الرابط