قصة الزوج الذي زَيَّف موته… فبدأت زوجته الحقيقية الحكاية من جديد
ولدت في عينيها شرارة لا تشبه الدموع ولا تشبه الغضب بل كانت أشبه بوميض خافت ينهض من أعماق الجمر ثابتا واضحا باردا كحد السكين. لم يكن ذلك الشعور الذي يخيم عليها وجعا عاديا ولا هياجا يصرخ في الجسد بل هو ذلك النوع من اليقين العميق الذي لا يخطئ صاحبه اليقين بأن النهاية التي صاغها هو ليست ختاما لها بل بداية ستكتبها بيد أخرى وبقلب آخر بداية لا يملك هو سلطة رسمها أو التحكم بمآلها.
لقد سلمها ختام القصة دون أن يدري فتحرر شيء ما في داخلها شيء يشبه القوة البطيئة التي تتشكل في الظلال وتنتظر اللحظة المناسبة لتخرج للنور.
في اليوم الرابع بعد الحادث الذي أعلن عنه حدث الذي كانت تؤجله بلا وعي. جلست أمام حاسوبه شاشة زرقاء باردة تضيء وجها غائرا من السهر. كانت أصابعها تتحرك بتردد بين الملفات وكأنها تخشى أن يعضها أحدها أو يكشف عن وحش كانت تخاف من وجوده. لم تكن تعرف ما الذي تبحث عنه ولم تكن تملك أساسا خطة واضحة. كل ما في الأمر أن داخلها كان يغلي بأسئلة لا تجد لها مكانا. وهكذا شرعت تقلب الملفات كما يفعل شخص سقط من سفينة ويحاول الإمساك بأي خشبة أو كمن يفتش في الخراب لعله يجد شيئا يدله على ما تبقى من معنى للعالم.
انتقلت بين رسائل البريد وحسابات التأمين وتقارير البنك وكل شيء بدا في ظاهره مرتبا وهادئا حتى اصطدمت عيناها بإيصال لا ينتمي إلى أي منطق معروف إيصال فندق يحمل اسم مايكل هاربر وتوقيعه ومؤرخ في الليلة التي تلت حادثه مباشرة. أحست بجلدها يقشعر كما لو أن يدا خفية لامست عمودها الفقري. لم يتوقف الأمر عند ذلك بعدها بدقائق عثرت على إيصال آخر سحب نقدي من صراف آلي
رجل يفترض أنه مات يظهر في مدينة أخرى ويحجز غرفة بفاسده ويسحب نقودا.
كانت المعادلة مكشوفة وصادمة في الوقت نفسه.
لم تفكر كثيرا عندما اتصلت بجارتها العجوز. ربما كانت بحاجة لصوت يشعرها أنها ما تزال في عالم حي. تحدثت بصوت مرتجف لكن العجوز ردت ببطء وكأنها تروي حادثا لا يهم أحدا
ظننت أنني رأيت سيارته قرب محطة الاستراحة على الطريق السريع قبل أيام الحادث ربما كان وهما.
لكن كلير لم تر في كلامها وهما. فجأة اتسق كل شيء في رأسها وكأن القطع الباردة كانت تنتظر فقط أن تلتقي. رأت الحقيقة بكل قبحها مايكل لم يمت لقد اختار أن يختفي وأن يترك خلفه حياة كاملة تبتلعها الفوضى.
وقع فنجان الشاي من يدها وارتطم بالأرض فتناثرت شظاياه لكنها لم تتراجع خطوة ولم تهتز يدها. كان داخلها يطلب شيئا واحدا المواجهة. رفعت رأسها وحدقت في الفراغ وكأنها تخاطب الرجل الذي لم يعد موجودا
لست أنت من يقرر النهاية هذه المرة يا مايكل أنا التي ستفعل.
من تلك اللحظة ولدت بدايات رحلة المطاردة. لم تثر ضجة لم تخبر أحدا لم تكتب حتى في مذكراتها. فقط نهضت من الظل وبدأت تتبع كل أثر صغير. توجهت إلى الفندق المذكور في الإيصال. موظف الاستقبال حاول التملص أول الأمر لكن ورقة من فئة كبيرة وضعتها أمامه جعلته يلين فورا. نظر إلى الصورة ثم قال بصوت خفيض
نعم جاء رجل بهذا الاسم. مكث ليلتين وكان يسأل عن حافلات متجهة جنوبا. لم يتحدث كثيرا لكنه بدا مضطربا كأنه يلاحق نفسه.
عادت تلك الليلة إلى بيتها تحمل خيطا جديدا خيطا يكاد لا يرى لكنه كان كافيا لتعرف الاتجاه. الجنوب دائما الجنوب.
وفي منتصف
وقفت أمام الباب المعدني أدارت المفتاح وانفتح باب ثقيل يعج برائحة غبار متكلس. وهناك في تلك المساحة الضيقة تناثرت حقائق جديدة على هيئة صناديق مغلقة بإحكام وأجهزة هاتف قديمة وبطاقات هوية مزورة تحمل وجهه بملامح مختلفة ورزم نقدية ودفتر صغير امتلأ بإشارات وأرقام يجهل معناها إلا هو.
لم يكن هذا هروبا عاديا ولم يكن عملا ارتجاليا ناتجا عن لحظة يأس. كان مشروعا كاملا لاختفاء مدروس.
وقفت كلير في منتصف الغرفة والصمت يخنقها. تذكرت جملة كان يرددها دائما الحياة الجديدة تحتاج شجاعة.
ابتسمت ابتسامة باهتة ثم أغلقت وحدة التخزين وكأنها تغلق قبرا.
لكنها لم تتجه للشرطة. لم تكن العدالة على الورق ستعيد لها شيئا. كان ما تشعر به أكبر من بلاغ وأعمق من قضية. اتصلت بشخص واحد فقط توم ريفز محقق متقاعد وصديق لوالدها.
جاء في المساء جلس قبالتها بوجه يحمل خبرة السنين قلب الأوراق بين يديه ثم قال بحزم
مايكل لم يكن ضحية يا كلير. لقد خطط لاختفائه بعناية. لم يجبر على الرحيل اختارك لتكوني ما يخلفه وراءه.
كانت الكلمات أشبه بنسمة جليد تمر في صدرها. لم تبك لم تصرخ. فقط أدركت أن المسألة لم تعد عاطفة بل مهمة يجب إتمامها.
قالت إذن سنتبعه.
جلسا ساعات طويلة أمام شاشة ترسم خريطة طويلة من السحوبات النقدية في محطات وبلدات مختلفة. كانت تتعرف عليه من طريقة إنفاقه من إيقاع
مع توالي الساعات التي قضتها كلير أمام خرائط السحوبات البنكية بدأت تشعر بأن ظل مايكل ليس مجرد أثر لطفل هارب بل خط ينساب في الأرض كأفعى تعرف جيدا كيف تتخفى وكيف تمحو آثارها حين تشاء. كان توم يجلس إلى جانبها يقلب الملاحظات بدقة رجل اعتاد الصيد أكثر من ألف مرة بينما كانت هي تتنفس ببطء وكأن كل علامة تظهر على الشاشة تسحب من صدرها جزءا من الهواء.
قال توم وهو يشير إلى نقطة على الخريطة
هنا هذا أول سحب بعد الفندق. محطة وقود صغيرة على الطريق السريع رقم 11. بعدها بثلاث ساعات سحب آخر في بلدة حدودية. ثم توقف كامل لمدة يومين.
سألته كلير بصوت خافت لكنه حاد
يومين كاملين ماذا كان يفعل خلالهما
هز توم كتفيه
ربما كان ينتظر شخصا أو يحصل على وثائق جديدة أو يختفي مرة أخرى.
لم يعجبها الاحتمال الأخير رغم أنه الأكثر منطقية. شعرت بأن مايكل بدأ يتحول في ذهنها إلى كيان آخر ليس الرجل الذي كانت تعرفه ولا الزوج الذي عاش معها عشر سنوات. كان أشبه بظل مهاجر من عالم غامض يبتكر حيوات بديلة واحدة بعد الأخرى ويهرب من نفسه قبل أن يهرب منها.
لم تنم كلير تلك الليلة. بقيت الكلمات التي قالها توم تتردد في رأسها
هذا مشروع اختفاء.
تكررت العبارة حتى شعرت أنها تقف على أطراف عقلها مثل صدى بعيد. أغمضت عينيها فرأت صورته كما كانت آخر مرة رأته فيها. ابتسامته الهادئة تلك اللمعة الغريبة التي لم تفهمها وقتها والبرود الذي ظنته إرهاقا. الآن تتضح الأشياء