قصة الزوج الذي زَيَّف موته… فبدأت زوجته الحقيقية الحكاية من جديد
المحتويات
كان يقطعها فجأة الليالي التي يعود فيها متأخرا دون سبب التعب الذي يختفي عندما يتلقى رسالة قصيرة.
ومع الفجر كانت كلير قد اتخذت قرارا لم يعد يحتمل تأجيلا.
في الصباح التالي توجهت مع توم إلى آخر نقطة ظهر فيها مايكل بلدة صغيرة على أطراف الحدود الجنوبية يعبرها المسافرون أكثر مما يقتنصها الزمن. كان الطريق إليها ممتدا كخط باهت فوق الصحراء ورائحة الغبار تملأ الجو.
وفي المحطة وقف شاب يعمل كصراف ينظر إليهما بفضول حين عرضت كلير صورة مايكل. دقق في ملامحه ثم قال
رأيته قبل يومين. كان يحمل حقيبة صغيرة ويبدو مرتبكا. سألني عن أرخص طرق السفر جنوبا ثم خرج مسرعا دون أن يشتري شيئا.
تبادلت كلير نظرة صامتة مع توم كأن كل كلمة قالها الشاب تزيد الخريطة وضوحا. أصبح مايكل الآن ليس مجرد رجل هارب بل رجل يركض في اتجاه محدد. الاتجاه ذاته الذي كان يتجنبه دائما.
ركبا السيارة مجددا واستعاد توم تلك الجدية الصلبة التي اشتهر بها في سنوات عمله. قال وهو يشير إلى الطريق أمامهما
إن كان يبحث عن طرق الرخص فهو لم يعد يملك الكثير. المال يطير بسرعة في حياة الهاربين.
ردت كلير
لكنه خطط لأشهر وربما سنوات. كان لديه هويات حسابات أوراق.
نظر إليها توم مطولا قبل أن يقول بصوت منخفض
أحيانا مهما خطط الشخص يبقى شيء واحد لا يستطيع الهرب منه نفسه.
جملة بسيطة لكنها انغرست في صدرها كشوكة. أدركت فجأة أن مايكل رغم كل الأقنعة التي صنعها ورغم كل الوجوه المزيفة ما زال الرجل نفسه الذي عرفته الرجل الذي يتخذ قراراته تحت ضغط الخوف أو الإغراء أو الطمع لكنه هذه المرة اختار أن يخون حياته كلها دون أن يرف جفن.
مع كل مدينة يعبرانها كانت التفاصيل
نعم مر من هنا. جلس في الركن الخلفي طلب قهوة سوداء فقط. كان ينظر حوله كثيرا وكأنه يخشى أن يتعرف إليه أحد.
توقفت لحظة ثم أضافت
ترك بقشيشا كبيرا رغم أنه لم يبد ثريا. عادة يفعل ذلك الأشخاص الذين يريدون أن يكونوا غير لافتين.
تابعت كلير حديث المرأة باهتمام ثم سألت
هل كان مع أحد
هزت النادلة رأسها
لا. لكنه تحدث عبر الهاتف بصوت منخفض. سمعت كلمات مبعثرة منها الحدود و الوثائق و خطتي الثانية.
حين سمعت كلير تلك الجملة الأخيرة شعرت بتيار بارد يمر في أطرافها. خطة ثانية
إذن ما رأته في وحدة التخزين لم يكن سوى البداية.
عاد توم ليقول وهو يستند إلى الطاولة
هذا لا يغير شيئا. حتى لو لديه خطة ثانية كل خطة تترك أثرا.
نظرت إليه كلير بحدة
لكن أي أثر نحن نراه يختفي كل مرة.
نظر إليها توم بثقة
الاختفاء الحقيقي يتطلب صمتا تاما. لكنه ترك وراءه الكثير من الضوضاء.
مع غروب الشمس وصلا إلى فندق صغير قرب الحدود. كان فندقا متدهورا رائحة الرطوبة فيه أقوى من رائحة الهواء نفسه. تحدث توم مع موظف الاستقبال بينما تجولت كلير في البهو الضيق.
وفجأة توقفت عينها عند دفتر تسجيل النزلاء. كان الاسم ظاهرا أمامها بوضوح
مارك ديلون.
لكن تحت هذا الاسم
توقيع تعرفه. توقيع عاش معها عشر سنوات.
أحست بارتعاشة في أطرافها وكأن الحقيقة التي كانت تطاردها منذ أيام استدارت فجأة وواجهتها.
قال الموظف حين لاحظ صدمتها
أجل الرجل غادر منذ ساعات قليلة فقط. ترك مفتاح غرفته ورحل في عربة حمل متجهة إلى أبعد الجنوب.
سقط الصمت على المكان كحجر.
نظر توم إليها وقال بصوت منخفض لكنه مليء بقوة القرار
ما زلنا في أثره. لن يبتعد كثيرا.
لكن كلير لم تكن تنظر إلى الطريق ولا إلى الخريطة. كانت تحدق في التوقيع في الخط المتعرج الذي تعرفه أكثر من أي شيء في العالم. شعرت للحظة أن كل ما حدث لم يكن هروبا منه فقط بل كان انتزاعا لآخر خيط يربطها به.
ومع ذلك
نهضت. أغلقت الدفتر. رفعت حقيبتها.
وقالت بصوت لا يشبه صوت امرأة مكسورة بل صوت شخص يخطو باتجاه قدره
سنلحق به ولو وصل إلى آخر نقطة على حدود الأرض.
بعد أسبوعين كاملين من الصمت والانتظار رن هاتفها في مساء بارد فاهتز قلبها قبل أن تهتز يدها. رأت اسم توم على الشاشة الاسم الوحيد الذي يستطيع أن يضع نهاية لأي لغز دون مقدمات. لم يعتد هذا الرجل اللف أو المواربة ولم تكن مكالماته تشبه مكالمات البشر العاديين. كان صوته حادا مختصرا كأنه مقص يقطع الحبال الزائدة.
قال دون تحية بنبرته القصيرة التي اعتادتها
تشارلستون. يعمل في المارينا باسم دانيال ريفز.
توقف الزمن لحظة. الاسم المستعار أصاب قلبها ببرودة خفيفة كأنه يحول ما كان شكا إلى حقيقة دامغة. لم تسأله كيف عرف ولا كيف وصل إليه ولم تستفسر عن أي تفصيلة. ربما لأن الإجابات لم تعد تعني لها الكثير الآن. ربما لأن الحقيقة أصبحت أكبر من التفاصيل.
قالت بهدوء يشبه السكين حين تنزلق بثقة
احجز الطائرة.
حين هبطت الطائرة في مطار المدينة الساحلية شعرت كأن الهواء يختبر قوتها. كان مالحا دافئا يلتصق بالجلد كأنه يريد أن يقول لها لقد جئت إلى المكان الصحيح. حملت حقيبتها الصغيرة وسارت بخطوات ثابتة رغم أن صدرها كان يضج بالأسئلة.
كانت تشارلستون مدينة تتنفس من البحر. الرصيف
ثم رأته.
كان يقف غير بعيد يضحك يلوح بيده لرجلين لا تعرفهما. بدا نحيلا أكثر مما كان سمار بشرته ازداد وعلى وجهه ابتسامة غريبة ابتسامة شخص يظن أنه نجح في كتابة حياة جديدة من صفحة نظيفة كأن عشر سنوات من حياتهما معا لم تكن سوى سطر شطب من دفتره بلا مبالاة.
توقفت على بعد خطوات. لم تتقدم نحوه فورا لم تركض إليه لم تصرخ باسمه. بل استدارت ودخلت مقهى صغيرا على حافة المارينا. جلست قرب النافذة وبينهما زجاج شفاف يقدم الحقيقة ببطء كمن يضعها في طبق ويقول تفضلي هذا هو الرجل الذي أحببته.
وعلى مدى ساعة كاملة راقبته. لم يكن يختبئ لم يكن يتلفت ولم يكن يبدو كمن يعيش في خوف. كان فقط حرا. حرية مفترضة تبنى فوق جدران الهروب.
حين عادت إلى الفندق تلك الليلة لم تنم. جلست على السرير تعد في ذهنها كل ما ستقوله حين تراه. لكنها حين وقفت أمام بابه في البناية المتداعية التي يسكنها سقطت كل الجمل المحضرة من رأسها كما يسقط غبار عن سطح مهجور.
طرقت الباب طرقتين فقط.
فتح.
ورأت في لحظة واحدة الرجل الذي كان يوما زوجها والظل الذي صار الآن غريبا بالكامل. كان صوته حين نطق اسمها مكسورا كمن يحاول تذكر كلمة من لغة قديمة
كلير
مرت من جانبه دون أن تطلب الإذن كأنها تدخل إلى بيت كان يجب ألا يغادره صاحبه أبدا. قالت ببرود
مفاجأة.
جلس
متابعة القراءة